د. قاسم المحبشى يكتب: المُحاكمة والاعتراف الأخير

وأنا أستمع إلى الأستاذ الدكتور حمود صالح العودي وهو يروي وقائع محاكمته الظالمة التي جرت في صنعاء عام ١٩٨٥م بتهمة الكفر والردة؛ تذكرت رواية المحاكمة الشهيرة للروائي التشيكي فرانس كافكا ( (3 يوليو 1883 – 3 يونيو 1924) إذ تحمل ذات العنوان وذات المضامين مع أختلاف الأحداث والشخوص.
كافكا سرد حكايته على لسان شخصيات متخيلة بينما العودي يروي حكايته بلسانه ويوثق لواقعة محاكمته التي حدثت بالفعل وكان هو ( متهم بالكفر يبحث عن محكمة).
ولد عام 1946م، كان بين طلاب أول دفعة تحصل على الثانوية العامة في صنعاء عام 1966.
ابتعث بعدها إلى مصر للدراسة الجامعية، حيث حصل على الليسانس في الآداب في قسم الدراسات الاجتماعية من جامعة القاهرة عام 1970.
عاد بعدها إلى اليمن ليعمل في مجال الشباب والشؤون الاجتماعية من عام 1971 إلى 1974، وشغل منصب وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والشباب خلال عامي 1975 و1976، ثم استقال من هذا المنصب والتحق بهيئة التدريس بجامعة صنعاء عام 1977، وحصل بعدها على درجة الماجستير في علم الاجتماع عن رسالته (التراث الشعبي وعلاقته بالتنمية) عام 1979 من جامعة القاهرة، ثم الدكتوراه من نفس الجامعة عن رسالته (برامج التنمية وعلاقتها بالواقع الثقافي الاجتماعي في اليمن) عام 1983.
واجه عام 1985 تهمة “الردة” وتم تكفيره بسبب كتابه “المدخل الاجتماعي في دراسة التاريخ والتراث العربي”، فيما اعتبر نشطاء حينها أن أسباباً سياسية كانت وراء هذه التهمة التي وصلت إلى القضاء.
عندها غادر صنعاء إلى عدن حيث أمضى خمس سنوات. ترأس في جامعة عدن قسم الفلسفة لثلاث سنوات، وأسس فيها قسم الاجتماع لأول مرة قبل قيام الوحدة، ثم عاد إلى صنعاء عام 1990، بعد أن تمت تبرئته من تهمة “الردة عن الإسلام”، وقد وثق ما تعرض له في تلك الفترة في كتابيه: “متهم بالكفر يبحث عن محكمة”- 1988، و”التهمة والدفاع من محكمة الصمت إلى محكمة التاريخ”- 1989).
البارحة كانت الندوة التي نظمتها مؤسسة أروقة للطباعة والنشر والتوزيع في قاعة سبأ في السفارة اليمنية بالقاهرة عن كتاب المحاكمة بطبعته الجديدة المنقحة في جزئين أدارها بكفاءة واقتدار الدكتور عيد عبدالحليم رئيس مجلة أدب ونقد المصرية وتحدث فيها الأستاذ عبدالباري طاهر رئيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين والهيئة العامة للكتاب الأسبق والاعلامي أحمد الشرعبي مدير مجلة الميثاق الأسبق”.
يستيقظ جوزيف ك ذات صباح ولأسباب لا تذكرها الرواية يتم اعتقاله ومقاضاته على جريمة لم يرتكبها ولا يعرف ماهيتها”
” في عيد ميلاده الثلاثين، يستيقظ جوزيف “ك” ليكتشف أنه قيد الاعتقال بسبب جريمة لم يقترفها ولا يعرف ما هي. يقوم حارسان يرتديان ملابس سوداء، باحتلال غرفة المعيشة في منزل “ك”.
وفي ليلة مظلمة من ليال صنعاء عقدت محكمة مستعجلة جلستها الأولى لمحاكمة أستاذ علم الاجتماع في جامعة صنعاء بتهمة الكفر والردة التي تم استخلاصها بقراءة سطحية لكتابه التراث الشعبي وعلاقته بالتنمية إذ وجدت هئية المحكمة المعدة بعناية لهذه الغرض أن الكتاب يتحدث عن العلاقة بين الطبيعة الجغرافية والثقافة الشعبية العقلانية اليمنية التي لا تعرف التعصب والانغلاق الأيديولوجي وتلك هي التهمة التي تستوجب قيام حد الكفر والردة لكل من يقول بها. هكذا كان المزاج الرسمي العام في صنعاء تلك الأيام وبشهادة أحد القضاة الذين تحدثوا بالندوة قائلا: كانت التهمة معدة سياسيا من الفرقة أولى مدرع والأمن المركزي والحرس الجمهوري” والغرض منها تصفية كل النخب العقلانية المثقفة وفي ذلك شهد أحمد الشرعبي وأكد الإعلامي محمد الردمي إذ قال” كان التوجه العام هو تشديد الخناق على كل المثقفين والأكاديميين الذين يصنفوا بإنهم غير ملتزمين بالصحوة الإسلامية” وهذا ما سرده الاستاذ عبدالباري طاهر بوصفه توجها رسميا اخوانيا عاما في مختلف الدول العربية افضى إلى محاكمة عميد الأدب العربي طه حسين واغتيال فرج فودة وطعن نجيب محفوظ ومحاكمة يوسف زيدان وخطف وضرب أبوبكر السقاف والقائمة طويلة.
سنحت لي الفرصة للتداخل في الندوة إذ حييت الدكتور حمود العودي الذي كان رئيسا لقسم الفلسفة والاجتماع حينما كنت طالبا في جامعة عدن وشهدت وقائع تلك اللحظة الخانقة من تاريخ اليمن المعاصر، إذ كان عدن الجنوبية ملاذا آمنا للهاربين من الشمال كما كانت صنعاء ذات يوما ملاذا آمنا للهاربين من الجنوب فتمت الوحدة الاندماجية فهبت الرياح بغير ما تشتهي السفن!.
اغتنمت فرصة حضور النخب اليمنية المثقفة من جل الأجيال والاختصاصات لدعوتهم للمشاركة الفاعلة في مؤتمر (المشترك الثقافي بين مصر واليمن؛ رؤى جديدة للمتون الحضارية) فالثقافة هي ما يبقى بعد خراب كل شيء وإذا كانت السياسية هي التي جعلت اليمنيين شذرا مذرا يهيمون على وجوههم في كل بلدان الشتات والمنافي كما قال اللواء أحمد قرحش أخر السبتمبريين الأحياء إذا قال: لا مثل لها تلك المصيبة التي أصابت اليمن الآن ولا نعلم كيف يمكننا تجاوزها”.
نعم ذلك هو التاريخ الذي يكسر رؤوس البشر ولا يتكسر رأسه أبدا، والحضارة لا تموت ولسنا في نهاية التاريخ ولا في بدايته بل نحن في خضمه يصنعنا ونصنعها والناس هم الذين يشكلون مؤسساتهم الوطنية العادلة ثم تقوم هي بتشكيلهم والأشخاص يأتون ويذهبون أما المؤسسات فهي التي قد تدم إذ وجدت من يتعهدها بالرعاية والحفظ والصون.
كانت ندوة كاشفة ومهمة مثل اسمها محاكمة للتاريخ والمآلات والنتائج، استمعنا فيها إلى شهادات واعترافات ممن كان في قلب الحدث ولكن والات ساعة ندم!.
ربما كان الانجاز الوحيد الذي يستحق الثناء والتقدير هو تلك الوجبة الثقافية الأكاديمية التي أنجزها الدكتور حمود العودي في مدة قياسية لا تتجاوز ثلاثة أشهر ؛ خمسة إصدارات جديد كانت على الطاولة ؛ “المحاكمة” في جزئين، و “العنف والتمييز الاجتماعي اليمن أنموذجا”، و “نظرية الفن والأدب من منظور اجتماعي”، و “نظرية فائض القيمة” وكتاب “اليمن الاتحادي”، فمبارك عليك دكتور حمود هذا الإنجاز الذي يرفد المكتبة العربية بجرعة معرفية جديدة.
بالنسبة لي لم أحصل إلا على كتابين؛ “العنف والتمييز الاجتماعي” و “سوسيولوجيا الأدب”.
وخلاصة القول في وجه المقارنة بين محاكمة كافكا ومحاكمة العودي هي علاقات الهيمنة وما تنتجه من طغيان وعسف وتسلط وآثام.

اقرأ ايضا للكاتب:

– د. قاسم المحبشى يكتب: الحضارة المصرية القديمة وفجر الضمير الإنساني

د. قاسم المحبشى يكتب: الناس للناس والمشاعر المقياس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: