عاطف عبد الغنى يكتب: ساحات الحرب الأخرى

بيان

الصحفى والمحامى اليهودى “زئيف بنيامين هرتسل”، المعروف باسمه الممنوح له حين ختانه “تيودور هرتسل” نشر عام 1896 كتابه “الدولة اليهودية”، فأحدث به ضجة، وأثار جدلا واسعا فى أوساط يهود أوروبا، فى وقت كانوا فيه يتبنون بشكل كبير، مبادرة نشطة للاندماج المجتمعى فى أوساط الشعوب الأوروبية، من منطلق تنويرى، ويطلق عليها بالعبرية “الهسكالا”.

فجاء كتاب هرتسل بمثابة “مانفستو” للصهيونية السياسية، ليزلزل وجدانهم قبل عقولهم، ويواصل دعاية صهيونية سابقة عليه للدولة اليهودية المنشودة، كان قد نثرها عدد من الأدباء اليهود فى كتاباتهم ورواياتهم.

ومنذ هذه الحقبة المبكرة للمشروع الصهيونى فى إصداره الحديث أدركت الجماعة اليهودية جيدا دور الدعاية فى الترويج لمشروع دولتهم عبر استعمار فلسطين، والتخلص من سكانها العرب، بكل الوسائل، المشروعة، مثل شراء الأرض مباشرة أو عبر وسطاء، وغير المشروعة بالإرهاب والترويع، وطرد الفلسطينيين من بيوتهم وأرضهم.

منذ هذا التاريخ أيضا أدرك اليهود، عبر جماعاتهم الوظيفية، أنهم لابد أن يوجهوا دعاياتهم نحو الشعوب فى الغرب، لهدفين الأول تغيير الصورة النمطية الـ”استريوتايب” لليهودى فى الذهنية الغربية، والثانى اكتساب دعم وتأييد هذه الشعوب، وخاصة قادة الرأى فيها، لمشروعهم الصهيونى الاستيطانى فى فلسطين.

ولم يترك اليهود فى الغرب مجالا للدعاية، أو بابا للاتصال والتواصل إلا وطرقوه، بداية من تنظيم أنفسهم فى جماعات، إلى تنظيم المؤتمرات، وإلقاء المحاضرات، وإنشاء المتاحف والمعارض، واختراق صفوف التنظيمات النقابية والعمالية، والطلابية، والتركيز على صناعة الإعلام، ووسائله، من تأليف الكتب إلى الاستيلاء على الصحف، ثم استغلال الإذاعة مع بداياتها، وصولا إلى صناعة السينما، واختراق قلعتها فى هوليوود الأمريكية، فى بواكيرها، وإنتاج الأفلام التى تعكس مظلومية اليهود واضطهادهم، ونبل صفاتهم الأخلاقية، لمحو صفات الخسة والنذالة والجبن، والخيتنة، والبخل، التى اشتهروا بها من قبل، ونقل هذه الصفات عبر الأفلام إلى العرب، وإظهار تخلفهم، ليتم استبدال العرب باليهود، فى الذهنية الغربية.

السينما كانت من أخطر الأسلحة الدعائية، التى حارب بها اليهود، وأثروا من خلالها على شعوب الغرب، على سبيل المثال، فى شهر يناير عام 1966 انطلق العرض الأول لفيلم “جوديث” عن قصة للكاتب البريطاني لورانس داريل، يحكى قصة امرأة يهودية جميلة (جسدتها صوفيا لورين)، تعرضت للاعتقال هي وعائلتها بعد أن أبلغ عنها زوجها النازي، لكنها استطاعت أن تنجو من معتقلات النازي، وتتبعت زوجها الخائن، وعلمت بسفره بعد الحرب إلى إسرائيل، فقررت أن تتبعه إلى هناك للانتقام منه.

والفيلم عند عرضه أحدث ضجة، وحقق نجاحا، وتأثيرا كبير، وكذلك عد نموذجا على الموضوعاتن التى ركزت عليها الأفلام التى تناولت اليهود، وقضاياهم.. ولم ينته اليهود، ولا نحن انتهينا، فما زال للحديث بقية.

اقرأ أيضا للكاتب:

–  عاطف عبد الغنى يكتب: الدولار؟!

عاطف عبد الغنى يكتب: لماذا يكرهوننا؟!

زر الذهاب إلى الأعلى