محمد قدرى حلاوة يكتب: الأرض بيتي

بيان

(١)

جلس بجانبي يحدثني بحنانه المعتاد وهو يبدي إلى الإعتذار عن انشغاله عنا في الفترة الماضية.. كان بارعا في نيل حب كل أطفال العائلة.. يشعرنا دائما بأننا أصدقاؤه لنا عليه حق العتاب عندما يخل أحد الطرفين بتلك العلاقة المقدسة (الصداقة)، ويغيب دون سؤال.. بعض الحديث اللطيف ولمسات حانية وابتسامة هادئة وقطع الشيكولاته والحلوي وحكاياته الممتعة .. كفيلة بقبول الإعتذار ونسيان الغياب وعودة دفق نهر المحبة يفيض من جديد.

كان شاعرا غنائيا معروفا.. لم يكن هذا الأمر مدعاة اهتماما كبيرا في علاقتي الشخصية به.. كل ما يعنيني في الأمر أنه عمي الذي أحبه.. وأحب حديثه الذي كنت حينها لا أعي كثيرا منه أو أفهمه بدقة.. ولكنه كان كإشارات من النور ألمحها فيما بعد كلما مضيت في مشوار الحياة.

سمعت أحاديث العائلة عنه وعن طباعه وحبه للعزلة ومحدودية صلاته الإجتماعية.. لم يكن يجيد ذلك المنهج الذي يحترفه البعض من جعل نفسه ” معروضا” فى سوق الفن والصحافة.. كان يؤمن بكلماته وفنه ويكتفي بيقينه هذا.. فابتعدت عنه الشهرة فراسخا واقتربت ممن هم دونه موهبة حد الإلتصاق.

كان يسكن في شقة صغيرة في أحد الأدوار الأرضية في ” وسط البلد” كل من زاره عاد ليحكي عالم الفوضى الذي يعج به المنزل ( كان قد تزوج من فتاة سورية في عصر الوحدة وانفصلا بعد سنوات).

أكداسا من الكتب هنا وهناك.. أوراقا ملقاة في كل الأركان دون عليها أبياتا من الشعر.. يبدو عالم الكتاب والشعراء غريبا بعض الشئ.. كأنهم يطاردون طائفا رقراقا خرافيا يراودهم ويخشون أن يفر منهم فلا يفلتونه سوي منسكبا على الأوراق.

أواني الطعام وأعقاب السجائر وأكواب الشاي وفناجين القهوة.. فراش بسيط مكوم عليه تلال من الأغطية والملابس.. لوحة سوريالية لفنان فوضوي حداثي.. هل حالة الفوضى قرينا وصنوا ملاصقا للإبداع؟.. ترى في أي ركن كتب ” مغرور” وفي أية حالة نفسية كتب ” سماح” وأية قصة حب عاشها وجسدها في “حبيبي وعنيه” ؟.

في عام ١٩٨٢ رأيته لآخر مرة.. وبعد بعض الحديث الشائق المعتاد.. أهداني ” شريط كاسيت” مسجلا عليه أغاني أخر أعماله مسرحية ” عودة الشاطر حسن” .. والتي قدمها ” مسرح العرائس”.. سألته بتلقائية لماذا لم يعد يكتب لكبار المطربين الموجودين على الساحة حينها ويكتفي بالكتابة ” لمسرح العرائس”؟.. صمت قليلا ثم أجاب بإبتسامته المعهودة وقد بدت على عينيه إمارات الجدة ( كان يرتدي دائما نظارة قاتمة اللون لا تفارقه لكن يمكنك أن تلمح من خلفها نظرة حزن وشجن غامض) .. ” إنت. بتجري ورا الكلمة لغاية ما تكتبها مش بتجري بيها.. اللي شايفها ليها قيمة هوه اللي يجري وراها “.. لم أفهم كثيرا ما يقوله حينها ولكنني أدعي أنني قد فهمت الآن.

لم أعتني بالهدية كثيرا وقتها فقد كنت مشغولا بسماع ” محمد منير” و ” على الحجار” وفرقة ” المصريين”.. وظل الشريط على مكتبي بضعة سنوات أخرى.. وفي مارس عام ١٩٨٤ مرض عمي مرضا شديدا.. كنت حينها أستعد لإمتحانات الثانوية العامة.. لم يمهله القدر كثيرا، وتوفي في ٢٥ يونيو من نفس العام ولم يكمل عامه السابع والخمسين بعد.

لم تهتم الصحافة كثيرا بالأمر.. ولم يحضر عزاءه ملحنين وفنانين كبار كان يظن أنهم أصدقاء قريبون.

عندما عدت لمنزلي بعد العزاء أغلقت على باب حجرتي وأدرت ” شريط الكاسيت” الذي أهداني إياه بصوت خفيض مراعاة لمشاعر الأسرة وطقوس الحداد.. وسمعت صوت المطرب يردد آخر كلماته :
” الأرض بيتي..
والأرض غيطي..
وإنتي يا دنيا..
مهما عليتي..
ولا وطيتي..
الأرض بيتي..”

ولم أستطع مغالبة خيطا من الدموع تدفق من عيني في تلك اللحظة.

اقرأ أيضا للكاتب:

زر الذهاب إلى الأعلى