محمد أنور يكتب: السيرة النبوية المختصرة (محمد صلى الله عليه وسلم) (4 من 6)

بيان

تحكي السيدة حليمة بنت أبي ذؤيب، مرضعة نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتقول: كانت سنة جدباء لم تبقِ لنا شيئًا، فعزمنا على الخروج إلى مكة في رفقة نسوة من بني سعد، نلتمس جميعًا الرضعاء، ليساعدنا آباؤهم على الحياة وضرورياتها. وكانت الدابة التي تركبها السيدة حليمة هزيلة وضعيفة من شدة الجوع وقلة الطعام، حتى خافوا أن تقع في الطريق فاقدة الحياة. ولم يَنَموا ليلتهم بسبب ابنهم الذي معهم، فقد راح يبكي من شدة ألم الجوع، ولم يكن في ثديها ولا في ثدي الناقة التي يقودها زوجها قطرة لبن تهدئ بها جوعه.

تقول السيدة حليمة: وصلنا أخيرًا إلى مكة، وقد سبقنا إليها نسوة بني سعد، فأخذن الأطفال جميعهم ما عدا واحدًا فقط، هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. كان والده قد مات، وكانت أسرته فقيرة رغم مكانتها العليا بين سادة قريش وشرفها فيهم، ولذلك امتنعت النسوة عن احتضانه، وامتنعتُ أنا وزوجي عن أخذه للسبب نفسه، أعني اليتم والفقر، ثم إني شعرت بعطف متوقد نحو هذا الطفل البارع الجمال.

ناقشت حليمة مع زوجها إحساسها الداخلي بأنها تريد أن تعود لأخذ هذا الرضيع اليتيم، فقبل زوجها، وعادت حليمة إليه، وأعلنت احتضانه، ووضعت يدها على صدره عليه الصلاة والسلام، فابتسم، ثم فتح عينيه فأطلت على الدنيا براءةُ آدم قبل أن يمد يده للشجرة المحرمة.

قبلته السيدة حليمة بين عينيه وعادت به إلى رحلها، وضعته في حجرها وألقمته ثديها الأيمن ليرضع ما شاء أن يرضع، وكانت تعلم أن ثديها جاف، فقالت: “ألهيه به”، ولكنها وجدت، على دهشة منها، ما يشبعه! إذ تدفق اللبن في صدرها حنانًا وحبًا وآية من الله.

عادت السيدة حليمة إلى بادية بني سعد وهي تحمل النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ولم تكد تعد في أرضها الجدباء حتى انفتح لها خير الدنيا كله؛ امتلأت الأرض بالخضرة بعد الجفاف، وأثمرت أشجار التمر بعد أن كانت يابسة. وأدركت السيدة حليمة أن هذا الخير قد جاء مع مجيء هذا الطفل المبارك، فزاد حبها له، ووقع زوجها أسيرًا لحبه هو الآخر.

نشأ محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في بادية بني سعد، وتقول السيدة حليمة: “كان طفلًا لا يبكي ولا يصرخ قط إلا إذا تعرّى، وحين بلغ عامه الثاني فُطم، وأرادت أمه أن تأخذه، ولكن حليمة لم تستطع أن تستسلم لهذا الانفصال القاسي، فألقت بنفسها عند قدم الأم السيدة آمنة بنت وهب، أم النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وأخذت تقبلها وهي تسألها أن تتركه يشبّ صحيحًا في هواء البادية”.

مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بادية بني سعد خمس سنوات، وقد وقعت حادثة شق الصدر في هذه الفترة، حيث أمر الله تعالى الأمين جبريل عليه السلام أن يهبط إلى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ويشق صدره بالأمر الإلهي، ويغسل قلبه بالرحمة، ويجففه بالنور، ويستخرج حظ الدنيا منه.

تغيّرت حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو صبيّ بعد حادثة شقّ الصدر، وصارت أفضل أوقاته في التأمل والصمت. ومرت الأعوام، وانتهت فترة بقائه مع السيدة حليمة في بادية بني سعد، وعاد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة وعمره خمس سنوات، وعاش أيامًا مع أمه التي كان حزنها على أبيه قد تجسّد في ملامح وجهها أثرًا رائعًا لنُبل الأحزان وشفافيتها. وزار مع أمه القبر المتواضع الذي دُفن فيه والده، وانطبع في قلبه أول معنى لليُتم وهو يرى دموع الأم الصامتة. وقضى شهرًا عند أخواله، وفي طريق العودة إلى مكة، وصلا إلى منتصف الطريق، حيث هبط ملك الموت في بقعة تُسمى (الأبواء)، وحين غادرها، كانت آمنة بنت وهب قد لحقت بالرفيق الأعلى. ماتت الأم وتركت وحيدها مع خادمة يتفتّت قلبها على طفل يفقد أباه وهو جنين، ويفقد أمه وهو ابن ست سنين. وعاد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وحده دامع العينين، قد أدرك نضجه بعد أن صهرته أحزان الحياة وقسوة اليُتم.

مات الحصن الكبير في حصون الإنسانية، مات جده عبد المطلب، وسار الصبيّ وراء نعش الجد صامتًا كالكبار، صلبًا كالرجال، تذوب رمال الطريق تحت قدميه في دموعه الصابرة المحتسبة الشجاعة.

كفله عمه أبو طالب بعد وفاة جده، وألقى الله محبته في قلب عمه، فقدّمه على أبنائه وأعزّه وأكرمه، وكان يجلسه على فراشه أمام الكعبة، ولا يجلس عليه غيره.

اشتغل محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم راعيَ أغنام، كان يرعى على قراريط لأهل مكة، ثم سافر مع قافلة عمه أبي طالب وعمره ١٣ سنة. وحين شبّ محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وجد نفسه في كهف يفكر ويغوص بأعماق قلبه في الكون وأسراره ورحمة خالقه وجلاله.

تعرّف محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وهو في عامه الخامس والعشرين بأم المؤمنين، زوجته الأولى خديجة بنت خويلد. كانت هي في الأربعين من عمرها، وكانت سيدة ذات شرف ومال تعمل في التجارة. مات عنها زوجها، وطمع فيها الطامعون لثروتها. بلغت أسماعها أخبار صدق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وأمانته ونقائه، فأرسلت إليه تستأجره، وخرج في رحلته الثانية وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وعاد بربح مضاعف لخديجة. فما تطلّع إلى مالها ولا إلى جمالها، وامتلأ قلب السيدة الكريمة بحبه، وعرضت عليه الزواج فقبل. ووقف عمه أبو طالب خطيبًا في حفل زواجه، فقال: “إن محمدًا لا يُوزن به فتى من قريش إلا رجح به شرفًا ونُبلًا وفضلًا وعقلًا، وإن كان المال فقيرًا، فإنما المال ظلّ زائل، وعارية مسترجعة”.

اقرأ فى هذه السلسلة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى