غبار الملائكة/ رعب من نوعٍ آخَر

 

 

 

قصة قصيرة للكاتب: أحمد حسين

أغرقت دموعها وجه ابنتها الحائر، تضمها خوفاً عليها، تبكي بحرقةٍ تنتظر بدء التحقيق، وعقلها لا يزال يحاول استيعاب ما حدث منذ البداية.

لم يكن قد مضى بضعة أشهرٍ على وفاة والد ابنتها، حينما انهالت عليها طلبات الزواج.
أرملةٌ صغيرة مثلها، تجمع بين الفتنة والثراء، عادةً ما تكون مطمعاً للرجال.
لم تكن تفكر بالزواج مرةً أخرى، حتى تقدم إليها (راغب) زميل دراستها، الذي رفضه أبوها قبل زواجها.
كانت سعيدة لأنه ما زال يريدها بعد كل تلك السنين.
والأهم، أنه وافق على الإقامة معهما في منزل زوجها السابق، حتى لا تشعر ابنتها بأي تغيير في حياتها.
هو يحبها ووعدها أن يعامل ابنتها الصغيرة كما لو كانت ابنته، وهي تثق به
……………….
أشعل وكيل النائب العام سيجارة، وهو يتكئ على مقعده مشيراً لمُحرِّر الاستجواب بأخذ بيناتهما قبل أن يبدأ التحقيق الرسمي قائلاً بهدوء: “أين كنتِ تحديداً وقت وقوع الحادث يا سيدتي، وماذا كنتِ تفعلين؟”

أمسكت يد ابنتها تحتويها قائلة: “كنت في غرفتي، معي ابنتي (ملَك)، أشرب القهوة التي أعدتها بنفسها، حينما أتى، فذهبَت هي إلى غرفتها على الفور”.. “لم تكن متقبلة لفكرة زواجي من شخصٍ آخر غير والدها، بالرغم من عدم اعتراضها على الأمر في البداية”.

سألها وعيناه متعلقتان بنظرات الفتاة الزائغة :
– “هل لاحظتِ أي شيء غير طبيعي على الفقيد حينذاك؟
تغير في الأسلوب؟.. العادات؟.. أي شيء ؟”

سالت دموعها مجدداً وهي تتأمل ملامح ابنتها قائلة:
– “نعم، كان برغم برودة الجو يتصبب عرقاً، أنفاسه متلاحقة بشدة، ونظراته زائغة”.
أحنقه تصرّفها كالعادة، فبدّل ثيابه بسرعة، ولحق بها ليعاتبها على ما فعلت.”
تنهَدَت بعمق، قبل أن تتابع بصوتٍ مرتجف: بعد لحظأت:
“سمعت صراخ ابنتي”.
هرعت إليها انتفض رعباً، أدعو الله ألا تكون قد أصيبت بصدمةٍ عصبية أخرى كما حدث لها بعد وفاة والدها. وعلى الفراش، وجدتها تحدق في السقف دون أن تنطق، بينما هو يرقد إلى جوارها بلا حراك.
عجزت عن إفاقته بكل الطرق، فقمت بطلب الاسعاف على الفور، لكنهم حين أتوا…
أجهشت ببكاءٍ حار، بينما اعتدل هو مقترباً من وجهها قائلاً ببطء: ” سيدة (ليال).. لقد تضمّن تقريرالمستشفى وجود آثار مخدر قوي في دم الفقيد، مما صبغ الواقعة بصفة رسمية جعلت مدير المستشفى يقوم بإبلاغ الشرطة على الفور.. فما معلوماتك عن هذا؟”

أجابته بحزنٍ واضح: “بعد زواجنا بفترةٍ قليلة، علمت أنه اعتاد تناول نوعاً محدداً من المواد المخدرة، يُعرف بين أبناء الطبقة الراقية بـ (غبار الملائكة).. ولكنه أقسم أن يقلع عن تلك العادة القبيحة”.

أشعل سيجارة أخرى، وهو ينظر إليها قائلاً: ذلك المخدر قد يختلف تأثيره من شخصٍ لآخر، ولكن الأعراض الشائعة دائماً ما تكون: شعور بالنشوة، تتبعه نوبات قلق وشعور بالتشتُّت والانفصال عن الواقع.. هلاوِس وأوهام، وميل إلى العنف، بالإضافة إلى ارتفاع شديد لحرارة الجسم، وضربات القلب، قد يؤدي للوفاة”.

كان يراقب أثر كلماته على ملامحها، فلم ير فيها إلّا حزناً عميقاً؛ جعله ينفث دخانه بقوةٍ، ويقلّب الأوراق أمامه، قبل أن يشير إلى المحرِّر قائلاً:
-“فيما اتضح لدينا بالدليل، من خلال تقريري الخبير الشرعي والمعمل الجنائي بعد معاينة مكان الواقعة، أن الفقيد توفى إثر توقف مفاجئ في عضلة القلب نتج عن تسارع حاد للضربات بسبب جرعة زائدة من مخدر (الفينسيكليدين).. أو كما يُعرف بـ (غبار الملائكة)، مع انتفاء وجود أي آثارعنفٍ أو مقاومة.
وعلى ضوء ما سبق ذكره، وما ثبت لدينا بالتحقيقات، قررنا الآتي: يُحفظ البلاغ، وتُصرف الحاضرة لانتفاء الشبهة الجنائية عن الواقعة، وغياب الدافع.
ونوصي بتحويل ابنة الحاضرة إلى مركز تأهيل وصحة نفسية للعلاج والمتابعة، وذلك بعد أن تعذّر سؤالها عن الواقعة”.

نظر إلى عينيّ الفتاة الحائرتين قائلاً بأسف:
– “يالها من فتاةٍ بائسة، ستظل تحمل تلك الذكرى في عقلها طوال حياتها”.
……………….
-“السادة الزوار.
مدة الزيارة ساعتان منذ الآن”.
هرعت بكل لهفتها تحتضن ابنتها، تقبّل وجهها ويديها، تملأً عينيها بملامحها، تشبع صدرها بأنفاسها، ودموعها تفيض أنهاراً.
كم اشتاقت إلى أحضانها بعدما حُرمت من رؤياها إلا بضع ساعاتٍ كل أسبوع حتى يتم شفاؤها.
ضمتها إلى صدرها بقوةٍ، وأعماقها تصرخ : “سامحيني يا ملاكي”.

مدت الفتاة يديها تمسح دموع أمها، تنطق بحروفٍ متقطعة: “لا تبكي يا أمي أرجوكِ.. أتعلمين أنني اليوم أتممت الخامسة عشر؟”.

اختلج قلبها حين تكلمت ابنتها لأول مرة منذ الحادث، قبّلت وجنتيها في سعادةٍ غير مصدقة أذنيها، ضمتها إلى صدرها بحنانٍ، قبل أن تفتح حقيبة يدها، لتهديها سلسلة ذهبية تحوي فراشة ملونة، وتهتف بفرحة: “كيف لي أن أنسى يومَ ميلادك!.. كل عامٍ وأنتِ بخير يا حبيبتي”.

ابتسمت وهي تنظر إلى وجه أمها قائلة: “ما أجملك يا أمي، تبدين رائعةً حقاً..ليت أبي كان هنا ليراكِ هكذا”

تأملت فرحتة ابنتها لحظات، سالت من عينيها دمعةٌ حزينة بعدها حينما استعاد عقلها ذلك الكابوس مرة أخرى.
مشاهد متقطعة تقتحم وعيها من حينٍ لآخر، أحداثٌ حاولت جاهدة أن تمحها من ذاكرتها، لكنها تصر على البقاء.
انتبهَتْ على صوت مديرة المصحة تعلن انتهاء وقت الزيارة.
احتضنتها الصغيرة في شوقٍ لدفئها، تهتف بحيرة: “أحبك يا أمي.. لم أعد أحتمل فراقك”.

ضمتها إليها وقلبها يكاد يتمزق لحالها.
لم تتخيل يوماً، أنّ من تزوجَته ليكفل ابنتها الوحيدة – بعد وفاة والدها – سيصبح جلّادها الذي يسلب برائتها في هذه السن الصغيرة بلا رحمة.
لم تستطع أبداً أن تنسى بشاعة المنظر، حينما خطت إلى داخل غرفة ابنتها، ووجدته بجوارها يتحسس جسدها، بعد أن أفقده المخدر اللعين وعيه وإدراكه.
حينذاك.. تحولت لبركانٍ من غضب، لم تخمد نيرانه إلا بعد أن أفرغت المسحوق الذي وجدته بجانب ابنتها كله في أنفه وجوفه، تكتم به أنفاسه.
كان منتشياً إلى الحد الذي جعله يستنشق دون مقاومة.
ولم تتركه هي إلا جسداً بلا روح.
مع صرخة ابنتها، عاد إليها إدراكها واستوعبت هول ما حدث، هرعت إليه تحاول إسعافه بكل الطرق، ولكن الأمر قد نفذ.

انتزعتها عيناها الحائرة من شرودها حين قالت : “كل ما أردته هو أن تظلي معي.. لم تستمعي إليّ حينها؛ فافعلي هذه المرة على الأقل.”

زاغت نظراتها، واختلج صوتها حين تابعت: “كنت أعلم أنه سيلحق بي بحثاً عن المخدر، استلقيت على فراشي انتظره والمسحوق بجواري، بعد أن عرفت أين كان يخفيه.
اقترب مني كالمجنون يحاول إفاقتي، حينما أتيتِ أنتِ ورأيته بجانبي، فظننتِه يتلمّسُ جسدي، بعد أن بدأ تأثير المخدر يظهر عليكِ”.
“لم يمسسني أبداً يا أماه”.
انهارت الأم تهتف مذهولةً: “عن ماذا تتكلمين؟!.. أنا لم أقرب ذلك ال….”.
قطعت عبارتها حين تذكرت كل شيءٍ فجأة، فعادت تهتف بذهول: القهوة؟!
أنتِ وضعتِ لي المخدر في القهوة يا (ملك)؟!.
هتفت بغضبٍ مكتوم: أخبرتك أنتي لا أريد سواكِ يا أمي، ولن أرضَ بديلاً عن أبي مهما كان.
وأمام نظرات أمها الذاهلة..
التقطت من جيبها قارورةً صغيرة، أخفتها عن الجميع، تستنشق، حفنةً من الغبار الذي لم يفارقها منذ ذلك اليوم.

اقرأ أيضا :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى