كوفيد 25 / فانتازيا ساخرة

 

 

 

قصة قصيرة للكاتب: أحمد حسين

رصدت كاميرات المراقبة الخفية بوضوح، وجه ذلك النحيل الغامضٌ، الذي يتشح بالسواد مقترباً من المقر السري الذي يحوي المعمل السري الخاص بتلك المنظمة السرّية للغاية، مجهولة الاسم والمنشأ والنشاط، منظمة:
‏-(China Lap الذكية, للخلايا الفيروسية).
وقف أمام حجرة التحكم الرئيسية ، ينتظر في ملل، حتى انتهى ذلك العالِم الاصلع من تناول أنثى خفّاشٍ رقطاء على العشاء، وراح يمصمص أصابعه في تلذّذ عجيب، متابعاً نتائج اختبارات ذلك الجيل الجديد من فيروس كورونا المستجدّ جدّاً جدّاً.. كوفيد 25.
طراز السنة..
أعلى فئة.
جميع الكماليات..
بصمة چينية متميزة..
خصم خاص على أول ألف حالة إصابة.
مع تشاينا لاب..
فيروسك، من المعمل إلى الباب.

-“هل انتهيت ؟”
انتزعه سؤاله من أفكاره الحالمة فانتفض قائلاً: هاه.. ماذا ؟!..
لمَ لمْ تأكل معي؟
اعتذر له قائلاً بأدب: أشكرك..
لقد تناولت فأرين منذ قليل، دعك من ذلك الآن، أنا أسأل عن العمل.
أجابه العالِم وهو يجهّز شريحة ميكروسكوبية خاصة يعدها للفحص باهتمامٍ بالغ قائلاُ:
-لا تتعجل النتائج يا هذا..
إنّ ال……..
انحشرت العبارة في حلقه فجأة، واتسعت عيناه حتى ملأتا وجهه قبل أن يهتف بانبهار: تباً..
بذل مجهوداً خرافياً حتى استطاع السيطرة على انفعالاته، ثم عاد ينظر لما يحدث أمامه تحت عدسة الميكروسكوب، قبل أن يقفّ شعر رأسه من الصدمة هذه المرة.
فما كان ما يراه بعينيه، شيءٌ لا يصدّقه عاقلٌ..
أو مجنون .
……………………………
كان العدد كبيراً هذه المرة، يضم كل من يعرفه تقريباً
ولكنّه لن يتراجع عن موقفه أبداً.
بل إنه من الأفضل أن يخبرهم بما سيفعل اليوم، حتى لا يجدوا الوقت الكافي للاعتراض أو التفكير.

كان قد امتص لتوه جرعةً جديدة من مضادات الفيروسات، التى لم تخفت من قوته قيد أنملةٍ، بل كان لها الفضل في رفع مزاجه إلى أقصى حد؛ مما جعله يتجه بثباتٍ وثقة إلى الساحة الرئيسية لعالمه الدقيق -تحت المجهر بالضبط- ويصعد درجات المنصّة الملكية بهدوءٍ فيروسي لطالما اشتهر به، وبدا شامخاً مهيباً في مواجهة أقرانه، وهو يقول بصوتٍ قوي: أهلي وعشيرتي..
جميعكم هنا يعرفونني كما عرفتم آبائي وأجدادي من قبل.
أنا (كوفي)..
الوريث الشرعي الوحيد للملك ‏(كورون) المبّجل، والملكة العظيمة (كورونا).
أنا أحق من يطالب بالثأر لهما، ولكل من دخل حالة السُبات العميق من بني جنسي على يد هذه المخلوقات البدائية.
سرت همهمة فيروسية فيما بينهم، سرعان ما انتهت حين تكلم مندوب فيروس (سي) في سخرية لاذعة قائلاً :
-أعطينا الفرصة لبني جنسك من قبل، ولكنهم فشلوا؛ فما هو الجديد الذي تعرضه اليوم؟!

سأله كوفي بإزدراء: حقاً؟!..
وماذا فعلت أنت وإخوتك (A وB) خلال عشرات السنين يا (سوسو) ؟
استشاط (سي) غضباً قائلاً : إنّ سوسو هي أم……

قاطعه (كوفي) بصفعةٍ مفاجئة أفقدته سائله السيتوبلازمي وهو يصرخ بغلظة قائلاً:
-“إخرس أيها البكتيريا الخاملة”.
……………………………

(سبّة فيروسية معروفة)

تأمّل أثر صفعته على غشاءه البروتوني وهو يقول ساخراً:
-إنّهم يقاومونكم اليوم بعقار (السوفالدى).
وبحسبما أرى.. فهم يحققون نتائج مبهرة.
ناهيك عن ذلك الجهاز العجيب الذي اخترعه أحد علمائهم الأفذاذ، والذي إستطاع بواسطته أن يقضي على تواجدكم في ست ساعات.
إنّهم يتغذون عليكم الآن يا صديقي.

أراد (سي) أن يدافع عن موقفه فهتف معترضاً: كوفي..
لا تقل لي أنك تصدق هذه ال(كفتة) ؟!

ضحك (كوفي) قائلاً: إنّ كرامتك الفيروسية قد أهينت حقاً يا صديقي.. فلتصمت الآن وإلا لقيت جزائك.
تخيل (سي) نفسه يصرخ متألماً وهم يلقون به في بحيرة عصير الليمون الرهيبة، فصمت على الفور، بينما تقدم مندوب (إيدز) ليهتف بلهجة فيروسة خبيثة:
-ولكنك لا تحمل درعاً بروتينياً ثنائي الجدار كباقي أسلافك يا كوفي..
بل إنك حتى لا تمتلك (RNA) نقياً مثلنا.
*(معلومة لن تفيدك في حالة الإصابة)

من مكانٍ ما، ارتفعت الموسيقى التصويرية لفيلم (الخطايا.. الفيروسية) بينما كان (إيدز) يتابع بصوتٍ هادر: إنّك مهجّن..
مهجّن..
مهجّن.
تعالت أصوات التأييد والإعتراض من جميع مندوبي الفيروسات، بينما ظلّ (كوفي) محتفظا ً بهدوئه المعهود لبعض الوقت، ثم التفت إليهم بنظرةٍ فيروسية حادة، أخرست الجميع فوراً، على حين قال هو باحتقار:
-يبدو أنّ الأخ (إيدز) هناك، ينسى دائماً من أين أتى، ويحتاج لمن ينعش ذاكرته باستمرار.
اتسعت ابتسامته الساخرة وهو يتابع قائلاً :
-فلتصمت أفضل حتى لا يلحقنا العار جميعاً أيها اللقيط..
إنّ كل التفاصيل معروفة هنا، وكل شيء مسجل بالصوت والصورة؛ فلا تنسى نفسك مرة أخرى يا أحقر الفيروسات.

شهق الجميع وهم ينظرون إليه بغضبٍ واشمئزاز، فهتف بمحاولة أخيرة يائسة: من كان منكم بلا خطيئة، فلير…….

قاطعه كوفي بلهجةٍ حادة: لست مهجّناً..
بل إنني قد تطورت بعد أن عرفت أن خطة الاستقرار في الجهاز التنفسي لديهم لم تعد مجدية؛ لذلك قررت اتّخاذ خطوة -أستطيع أن أقول عنها، وبكل ثقة- أنها مضمونة النتائج إلى أقصى حد.
وحينما تُنفّذ، ستصبح قادرين على إفناء الحياة تماماً على أرضهم.
قالها وأنهى خطابه بضحكه التي اشتهر بها..
ضحكة فيروسية خبيثة كورونية متقطعة.

ولأنه عالمٌ دقيقٌ حقاً..
فقد تمت الموافقة فوراً على إرسال (كوفي) وأعوانه إلى العالم الخارجي بمساعدة ذلك الوسيط الذي يمدّهم بسبل الحياة من خلال تلك المنظمة السرية المجهولة صاحبة الفضل في جمعهم وتطويرهم .
منظمة (تشاينا لاب الصينية للخلايا الفيروسية).
وفي خطوات فيروسية واثقة..
ذهب (كوفي) يتبعه أعوانه إلى داخل الأنبوبة الخاصة التي بدورها ستنقلهم إلى العالم الساحر العجيب الذي تعيش فيه هذه الكائنات.

……………………………
عالم البشر.
خلت الشوارع من المارة، وفقدت المقاهي روادها..
أصبح الزواج دون أفراح، والميت بات يدفن دون صلاة جنازة.
التزمت الناس بيوتها، والتزم الفيروس بموعد تجواله ليلاً بحسب ترتيبات حكومتنا الواعية.
لم يكن (كوفي) سعيداً بما رأى..
صحيح أنّ الأرض صارت ملكاً له وأتباعه، إلّا أنّ ذلك لم يكن ما يبتغيه أبداً؛ فالوقت ضيقٌ، ويجب أن يعودوا جميعاً قبل فك الحظر صباحاً.
هذه قوانين لا مزاح فيها.
ظل يجوب الشوارع والأزقّة، باحثاً عن ضحيته التي سيبدأ منها انتقامه.
تذكّر ما كان يرويه أباه عن بطولاته هو وأمه حينما كان مجرد ذكر إسم العائلة *(سارس) يجعل هذه الكائنات تنام في بيوتها قبل غروب الشمس.
*(معلومة أخري لن تفيد في حالة الإصابة، حيث ينحدر فيروس كوفيد من سلالة سارس العريقة) .

في مدخل إحدى البنايات القديمة..
وجد بعض الصبية يلعبون لعبة الكورونا الشهيرة، أحدهم يجري وراء البقية محاولاً الإمساك بهم، و لإذا ما أمسك بأحدهم، هتف بصوتٍ يسمعه الجميع: كوروووناااا..
فلا يستطيع ذلك الشخص التحرك من مكانه إلا إذا اقترب منه أحدهم وعطس في وجهه قائلاً: إمشيييييييي.

شعر بالضيق الشديد من تعامل هذه الكائنات بمنتهى البرود مع فيروس يحترم نفسه كثيراً مثله؛ إلّا أنّه عزى ذلك إلى كونهم مجرّد أطفال لا تقدّر خطورة الموقف.
برقت عيناه الفيروسية بشدّةٍ حينما وجد بائع ترمس متجول بدا له ضحية هشة، ومخزن متنقل للفيروسات، ولكنه ما لبث أن شعر بالحنق الشديد حينما وجده يرتدي قفازاً طبياً.
كاد ينصرف غاضباً، لولا أن رأى البائع ينفخ في الأكياس ليفتحها؛ فانفجر ضاحكاً مع أعوانه.
هتف أحدهم بحماس: فلنبدأ من هنا يا كوفي.. أرجوك.

أشار له (كوفي) إشارة ذات مغزى، فذهب على الفور ليستقر بجانب الترمس بعد أن قام (كوفي) بسحب جزءً من نواته حتى يستطيع تتبعه.

انطلق وأعوانه يجوبون الطرقات في ملل حتى توقف فجأة ذاهلاً، غير مصدقٍ لما يرى، وقد وجد فرصةً ذهبية، في تلك الكتلة الحديدية التي يُطلق عليها مترو الأنفاق .
زحام.. عرق.. التصاق.. عطس .
بيئة مثالية للانتشار، جعلته يترك أحد أعوانه بها، وينشر الأخرين في كل المصالح الحكومية التي مروا عليها.

سار وآخر أعوانه حتى وصلا إلى منطقة مقاهي معروفة بأحد الأحياء الشعبية، اقتربا متوجسين ببطء، ليجدا رجلاً ضخماً يصيح بمن يدخل بغلظة: لا يوجد شيشة..
الشيشة ممنوعة بقرار من وزارة الصحة والحكومة.
لا يوحد شيشة.

في الداخل ..
وجدا الفريق القومي للشيشة يدخّن مع مندوب من وزارة الصحة، الذي كان يشرف بنفسه على التبادل الآمن للمبسم فيما بينهم، والأدهى أنّه وجد تقريباً الحكومة كلها في الداخل، تدخّن الشيشة.
ترك معاونه الأخير هناك، بعد أن ارتفع ضغط سوائله إلى أقصاه، حينما رأى تجمهر أمام أحد المحال وسمع رجلاً يهتف بلهجةٍ خطيرة قائلاً: كما ترون يا سادة..
إنّ المسحوق تركيزه أعلى وأقوى من المكعبات.
الحكومة بالطبع لا تريد أن تعلن أنّنا نمتلك العلاج من قبل حتى ظهور المرض، ولكنّهم نسوا إزالة كلمة (كورونا) من المُنتَج كما ترون .
يالغبائهم.

تهافت الجميع علي شراء آخر كمية يمتلكها الرجل من (شيكولاتة كورونا) التي يبيعها بأسعار خيالية كمضاد للفيروس، بينما جحظت عينا (كوفي) وبدأ يشعر بآلامٍ حادة في (نواته)..
مع بدايات الذبحة الفيروسية.

كاد يتلاشي ذاتياً حسرةً على حاله، بيد أنّه وجد بصيصاً من الأمل حينما رأى جندياً يقوم بإيقاف مواطن لا يرتدي كمامة، يشرح له خطورة الفيروس، ومدى تأثير فعله وأضراره عليه، وعلى المجتمع.
إلّا أنّ ذلك الأمل تبخّر تماماً عندما وجد المواطن يدس شيئاً ما في جيب سروال الجندي الذي ابتسم على أثره ابتسامة سمجة، وانصرف مسرعاً يبحث عن آخرين.
هنا ..
لم يحتمل المزيد.
ليته استمع إلى تحذير أبويه من هذه الأرض العجيبة..
ليته لم يغترّ بنفسه ولم يقترب من هذه الكائنات.
تباً لهم جميعاً.
لقد فعل كل شيء.
في كل أرضٍ زارها، كان يكفي مجرد ذكر اسمه، حتى ترى الدنيا تنقلب فوراً رأساً على عقب.
إلًا هنا..
إلا مع هؤلاء..
إنّهم لا يبالون بشيء، ولا أحد يبالي بهم.
هم بالكاد.. يحيون.
إنّ ما يفعلونه يومياً يكفي لغزو أرضهم كلها خلال ثوانٍ معدودة، هم يعيشون حياةً بلا كورونا على الإطلاق.
بينما الفساد من حولهم متأصّلٌ يملأ كل شيء.
الغِذاء.. الدواء..
وحتى الهواء.
أيكون السر في ذلك النهر الذين يشربون منه؟!
أم يكون في طبيعة أجسادهم نفسها؟!..
أًم هي قوةٌ خفية تلك التي تحميهم وتحجّم انتشاره؟!
ازدادت آلامه فلم يعد يحتمل.
انهار قهراً وذلاً.
وبكى كوفي..
بكى كما لم يبكِ فيروس من قبل.
بكى حاله وحال أعوانه.
بكى هيبته وكرامته التي ضاعت بين الفيروسات علي يد هذه المخلوقات.
لم يكن له أن يأتي إلى هذه الأرض أبداً.
لن يرحماه (سوسو) ولا (إيدزٍ) الآن.
ولسوف يكون إنتقام أعوانهما شديداً.

شعر بغثيان، وكاد يفرغ سائله السيتوبلازمي وهو يصرخ بكل غضبٍ هاتفاً: لاااااااااا.. ودرع أبي لن يحدث..
لن أعود إليهم .
لن أرى نظرات الانتصار المتشفية في عيونهم أبداً.
وفي لحظة انهيارٍ مريرة..
قفز داخل زجاجة كحول بإحدى الصيدليات لينهي حياته بنفسه ويعلن نهايته بيده.
مر شريط حياته الفيروسية أمامه وهو يغمض عينيه بقوةٍ مستعداً للنهاية.
مضت ساعةٌ كاملة قضاها في صبرٍ واستسلام، حتى أصابه الملل دون أن يحدث له شيء.
تحامل على نفسه حتى صعد إلى فم الزجاجة وعقله الفيروسي العبقري يفكر بكل الاحتمالات، حتى توقف أمام أحدها مصدوماً؛ فخرج من الزجاجة يجر نفسه جراً، والكحول يقطر منه منحصراً عن غشائه البروتوني، بينما نواته الصغيرة تكاد تنفطر قهراً وحزناً على ما أصبحه.
أيكون الكحول أيضاً فاسداً، ككل شيءٍ هنا؟!!
تباً..
يالشماتة سوسو وإيدز الآن.

————————————————————————
النهاية الفيروسية

اقرأ فى هذه السلسلة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى