” قل شكوتك “.. مثالية تعجيزية

كتبت: أسماء خليل

“ هل أنا فاشلة؟”.. بداخلي صراعات ليس لها صوت ليسمعها أحد، ولكنها داخل نفسي، تصعد من أعماقي فتلتف حول عنقي وتخنقني ، لا أعلم ما هو مصدرها؟.. وكيف العلاج؟.

أعتقد أن ما سبق هو مقدمة مناسبة لشكوى عبَّرت فيها “ص.م”.. عن آلامها وما يؤرقها ويجعلها غير راضية عن حياتها، عبر رسالة بالبريد الإلكتروني، تتمنى أن تجد من يشاركها أحزانها.

الشكوى

لا أعلم ما هي النقطة التي أود الوصول إليها؟.. أو ماذا أريد في تلك الحياة؟.. فأنا زوجة أوشكت أن أتم الخامسة والثلاثين من سِني عمري، أعيش بإحدى محافظات الوجه البحري مع زوجي وابني الصبيان، اللذان يبلغ أحدهما الثالثة عشر من عمره والثاني يصغره بثلاث سنوات، حاصلة على ليسانس حقوق ولا أمارس العمل بالمحاماة.

أبي تاجر وأمي ربة منزل، ولدي أخ وأخت يصغرنني، قد نالا قدرًا عاليًا من التعليم، ومستقران بحياتهما الزوجية.

منذ كنت شابة صغيرة ويسعى الخُطَّاب لطلب يدي للزواج، ولكن أبي لم يوافق على أي منهم إلا بعد أن أنهيت دراستي، وفي الأخير تم زواجي من شاب يكبرني بخمس أعوام مهندس ناجح، ويعمل أبواه في المجال التعليمي.

وعلى مشارف حياة جديدة وقفت أنا وزوجي، متحابين متقاربي الصفات.. كنت دائما حريصة على أن أنسق لزوجي حياته بالكامل، وأن يكون كل شيء على ما يرام، وحينما كان يزورنا أحد مابرح يلتمس قدر جمال وترتيب بيتي، وملابسي أنا وزوجي ذات الذوق الرفيع، وكلامنا المُنمق.

كم كنت أتحدث مع زوجي، وأوجهه أن يحسب كلامه جيدا مع الجميع؛ لنبدو في أحسن صورة، وقد كان معجبًا بشخصيتي المرتبة المنسقة، وفي طريقنا بالحياة رزقنا الله – سبحانه وتعالى – بطفلين يشبهاني في الجمال وورثا الذكاء الخارق من أبيهم.

حاولتُ أن أربي أولادي على عكس ما قامت أمي بفعله معي في الطفولة؛ فقد كانت أمًّا مُتسلطة نرجسية، كم عذبتني أنا وأخوتي بفِكَرِها وجبروتها، رغم أن أبي كان مثاليا، لكنه لم يقدر عليها وكم من مرة قرر أن ينفصل عنها، ولكنه أشفق علينا من المواجهة والصراع مع الحياة منفردين.

ورغم حبي الشديد لأبي؛ إلا أن هناك ما كان يجعلني أخجل في طفولتي، فقد كنت أتبرأ من كون أبي تاجرًا أمام صديقتي ابنة معلم الفصل، والأخرى ابنة الطبيب وغيرها ابنة المهندس، فقد كنت أشعر أنني دون ذلك المستوى الذي هم عليه، رغم أن أبي كان يحضر لنا كل شيء ويجعلنا نعيش في رغدٍ وبحبوحة.

مشكلتي الآن سيدتي؛ هي أنني أفعل كل شيء على ما يرام وأكثر، ولكن حين شعوري أن هناك من هو أفضل مني أحزن ولا أرى الحياة، ولديَّ متفوقان ولكن إذا رأيت من هو أكثر منهما تفوقًا أحزن.

حينما نكون بزيارة أي قريب، أشعر أنني الجميلة ذات الذوق الرفيع في كل شيء، وكم يثني عليَّ الحضور، وفجأة تظهر من هي أجمل مني فأحزن وأشعر بقلة قيمتي وتفاهتي.

أحب زوجي وأراه وسط الجميع هو الأمهر، ويتكرر نفس الحال إذا تبدى صديق له متميز عنه فى شيء أنتحب وأظل أفكر كيف يصل زوجي إليه!.

تعبتُ من كثرة الركض الذي أنهكني وما زِلتُ أركض وصولًا إلى أن أكون “نمبر ون” في كل شيء، ولطالما حدثتني نفسي بأنني غير راضية وإنسانة مخطئة أو حاقدة ناقمة على المجتمع، ولكني لا أعلم ماذا أفعل؟!.

وقد تبدو مشكلتي لا تتناسب مع ذلك العصر، الذي أنهكت أفراده الظروف الاقتصادية؛ ولكني حاولت كثيرًا مع نفسي ولم أنجح في شيء، أظل كما أنا وبنفس شخصيتي التي أنهكتني، ماذا أفعل فلم أعد أستطيع النوم من كثرة التفكير المتلاحق على رأسي وأصبحت حياتي جحيمًا بحق؟!.

عزيزتي “ ص.م” كان الله بالعون..

قد يعتقد المُتلقي أن تلك النوعية من المشكلات هي الأبسط؛ ولكنها الأصعب بحق، فمن كان في شجار مع صديقه ربما ننصحه بالبعد عنه أو حتى إذا كان أخًا، وربما زوج فيكون الانفصال هو الحل؛ ولكن إذا كان الشجار مع نفسك فهل ستنفصل عنها؟!..

عزيزتي..

إن ما تشعرين به من آلام مسيطرة على نفسك له جذور بالماضي، فتلك الأم النرجسية المتسلطة؛ زعزت ثقتك بنفسك وإيمانكِ بقدراتكِ، فهاجمتك نفسك بالدفاع وصولًا للوجود؛ فكان اللهث وراء المثالية هو المَنفَس الوحيد لذلك.

لن نستطيع بأية حال التطرق إلى الماضي ومحاولة إصلاحه، فليس لنا سوى الواقع لنحاول من جديد النقش على جدرانه بعض التعويزات، التي تفك قيود نفسك الأسيرة.

فانظري إلى قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – “فسددوا وقاربوا”.. بصيغة الفعل الأمر، أي أن الإنسان في الدنيا مأمور بالاعتدال، وعدم المشقة على نفسه، فنحن إذا بلغنا حالة الكمال في كل شيء، فلماذا نسعى إذن في تلك الدنيا؟! إن النقص والعوز هما الدافعان للعمل والإنجاز..

المثالية ليست مُبتغى المرء في الحياة، فلم يكتمل من البشر سوى الأنبياء وبعض المُختارين.

سيدفعكِ الوصول للمثالية إلى وضع معايير عالية جدا، وفي المرة التي تصلين إليها ستشعرين بالسعادة، وفي المرة التي تُخفقين في تحقيق ذلك ستشعرين بالإحباط والفشل، من هنا نستطيع القول بأنكِ تبحثين عن “المثالية التعجيزية”.

ولكن عليكِ الخروج من فكرة الحقد والنقمة على الآخرين، فأنتِ لستِ كذلك، ما يدفعكُ للتفكير بتلك الطريقة، هو تعقيدات داخلية، وإليكِ البُشرى؛ فالأشخاص الذين يتّصفون باستيقاظ الضمير بشكل دائم، هم أولئك الذين لا يقبلون بما هو أقل من المثالي في تحقيق أهدافهم، لأنهم يريدون لكل عمل أن يرضي ذلك الضمير بما ينبغي وأكثر.

عزيزتي..

إن تلك المقاييس والمعايير التي قمتِ بوضعها بنفسكِ لتشقي بها على نفسكِ، وجعلتيها قاموسًا تهتدين بكلماته، ما هي إلا طرقًا ممهدة للتسويف والإرهاق والمشقة، وبذلك لن تشعري بالاستمتاع بأي شكل من الأشكال.

عليكِ الآن القيام من تلك الغفوة، وإحضار ورقة وقلم، ولتبدئي من أول السطر، وتضعين أهدافًا تتناسب مع إمكانياتك وظروفك وطبيعتك، وتضعين نصب عينيكِ النجاح بها، وتؤهلين نفسكِ أن السعادة في ذلك القدر الذي تحققينه، وكذلك اسعدي نفسك بالرحلة إلى الوصول.

قومي بتنمية ثقتكِ بنفسكِ من خلال سماع فيديوهات المختصين من الأساتذة أصحاب المحتوى، عبر شبكة الإنترنت، وكذلك الخوض في مجال التنمية البشرية، فكم من أشخاص تغيروا نحو الأفضل بعد فعل ذلك.

منحكِ الله السعادة وراحة البال.

…………………………………………………………………………………………………..

راسلوني عبر الواتس آب 01153870926 و “قل شكوتك” وأنت مطمئن لعلى بعد الله أستطيع أن أخففها عنك.

اقرأ أيضا:

«قل شكوتك».. العجوز أم منقار!

“قل شكوتك”.. ذلك ما كنتُ أخفِيه

زر الذهاب إلى الأعلى