طارق صلاح الدين يكتب: طوفان الأقصى إلى أين؟ (22)

بيان
تطور خطير وغير متوقع بالمرة شهدته الحرب على غزة اليوم الإثنين ٢٥ مارس ٢٠٢٤ حيث أرسلت الفصائل الفلسطينية رسالة شديدة اللهجة وتحمل الكثير من المعانى إلى إسرائيل بالدرجة الأولى ومن خلفها الولايات المتحدة الأمريكية حيث قامت حماس بقصف مدينة أسدود على مقربة أربعين كيلومتر داخل العمق الإسرائيلى برشقة صواريخ أصاب ستة منها أهدافها وتم إعتراض صاروخين طبقا لبيان الجيش الإسرائيلى.
والرسالة تعتبر إعلانا شديد اللهجة بأن المقاومة الفلسطينية تمتلك بالإضافة إلى ورقة الأسرى عدة أوراق إضافية ميدانية أهمها الصواريخ التى لم ينجح الاجتياح البرى الإسرائيلي لقطاع غزة فى القضاء عليها بعد أكثر من ١٧١ يوما من الحرب وهو دليل قوى على فشل نتنياهو في تحقيق أهم أهدافه من الحرب على غزة وهو القضاء على حركة حماس، وها هى الحركة مازالت قادرة على تهديد العمق الإسرائيلى والوصول إلى أى مكان فيه.
ويأتى المغزى الثانى من رسالة قصف أسدود بأن سيطرة إسرائيل على قطاع غزة هشة ودعائية حيث تم إطلاق رشقة صواريخ اليوم من دير البلح وسط قطاع غزة، وهى منطقة أعلنت إسرائيل السيطرة التامة عليها وتطهيرها من مقاتلى القسام.
أما المغزى الثالث من رسالة رشقة الصواريخ فهو التأكيد على أن رفض إسرائيل لعودة سكان شمال قطاع غزة إلى منازلهم سيقابله في نفس التوقيت رفض المقاومة الفلسطينية لعودة سكان مستوطنات غلاف غزة إلى منازلهم وهو ماينسف كل الجهود التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية لبث الاطمئنان فى نفوس مستوطنى الغلاف واقناعهم بالعودة إلى المستوطنات التى تعتبرها إسرائيل بمثابة خط الدفاع الأول عن دولة إسرائيل.
ويتبقى المغزى الأخير من رسالة اليوم الصاروخية وهو إعلام جميع الأطراف بقوة موقف حماس فى مفاوضات تبادل الأسرى المكوكية التى تتم فى الدوحة والتى حاول البعض إظهار ضعف قوة الفصائل الفلسطينية العسكرية بسبب المرونة التى ابدتها حماس فى المفاوضات.
ليست رشقة صواريخ اليوم فقط هو التحدى الذى يواجهه نتنياهو ومعه المجلس الوزارى المصغر “كابينت” الحرب وخلفهم الجيش الإسرائيلى فهناك العديد من التحديات الصعبة وأهمها ضغط جبهة الشمال حيث كثف حزب الله اللبناني من هجماته على المواقع الإسرائيلية المتاخمة لجنوب لبنان وتجاوزها إلى قصف مواقع حيوية في مزارع شبعا وصولا إلى الجولان السورى المحتل الذى تتعرض فيه المواقع العسكرية الإسرائيلية لقصف مكثف من قبل صواريخ حزب الله.

واكتشف خزب الله مؤخرا وجود ثغرات استخباراتية في صفوفه فنشر وحدات من جنوده فى الضاحية الجنوبية لبيروت طلبت من الجميع إبراز هوياتهم الشخصية بحثا عن عملاء لإسرائيل مكنوها من ضرب عدة أهداف حيوية في العمق اللبنانى أبرزها مكتب حماس فى الضاحية الجنوبية والذى نتج عنه إغتيال صالح العرورى أحد أبرز قادة حماس الميدانيين.
صواريخ حزب الله تحاصر أيضا مستوطنات الشمال وتمنع قرابة المائة ألف مستوطن إسرائيلي من العودة إليها والذين يشترطون بدورهم إبعاد حزب الله إلى شمال الليطانى.
وهناك تحدى لايقل خطورة عن التحديات السابقة وهو الحوثيين الذين نجحوا تماما فى إفراغ ميناء إيلات من حركته التجارية لأول مرة منذ حرب السويس ١٩٥٦ وهو مايعكس ضغوط ضخمة جدا على الاقتصاد الإسرائيلى ويكشف بوضوح عن فشل الولايات المتحدة الأمريكية فى كبح جماح الحوثى وضمان تدفق الملاحة إلى إسرائيل.
ولم يقتصر الأمر على ذلك بل يقوم الحوثيون بقصف متقطع بالمسيرات والصواريخ لميناء إيلات، وانضمت ميليشيات الحشد الشعبي العراقى إلى الحوثيون فى هذا القصف.
وفى الداخل الإسرائيلى يواجه نتنياهو ضغوط لاتقل عن الضغوط السابقة حيث انفجرت قنبلة تجنيد اليهود المتدينين الذين هدد حاخامهم الأكبر بالهجرة إلى أوروبا وترك إسرائيل وتبلغ نسبتهم ١٥% من سكان إسرائيل فى حالة موافقة مجلس الوزراء الإسرائيلى على تجنيد الحيرديم.
ويستند الحيرديم إلى حقهم في عدم الخدمة العسكرية فى جيش الدفاع الإسرائيلي والذى أقره بن جوريون رئيس الوزراء الإسرائيلى عام ١٩٤٨ بالإضافة إلى أن الجيش الإسرائيلي يعتمد على الاختلاط بين الرجال والنساء وهو مايرفض الحيرديم المشاركة فيه.
حاول نتنياهو رفع سن تجنيد الحيرديم إلى ٣٥ سنة وذلك للخروج من المأزق وهو مارفضه جانتس بشدة وواجه الحاخام بعدم وجود معاشات في أوروبا للحيرديم وهو ماتقدمه لهم إسرائيل ووصل الأمر بجانتس إلى التهديد بترك مجلس الحرب.
ولاتنتهى سلسلة التحديات التي تواجه نتنياهو فقد بثت قناة الجزيرة فيديو لاستهداف مسيرة إسرائيلية لأربعة شباب فى خان يونس يسيرون دون أسلحة ولايبدو عليهم القتال على الإطلاق فقامت المسيرة بنسفهم وظهر شاب آخر استهدفته المسيرة فى قدمه وعندما حاول الزحف قامت المسيرة بنسفه تماما.
وآثار الفيديو موجات استهجان وغضبة دفعت جيش الدفاع الإسرائيلي إلى الإعلان عن قيامه بالتحقيق في ملابسات هذا الفيديو مع الإعلان عن عسكرية المنطقة التى تم فيها تصوير الفيديو.
ولاتقتصر التحديات على إسرائيل بل تمتد إلى الولايات المتحدة الأمريكية التى حاولت تمرير مشروع قرار فى مجلس الأمن بوقف محدود لإطلاق النار فى غزة مقابل وصف حماس بالإرهاب فى هجمات السابع من أكتوبر وإطلاق العنان لإسرائيل للقضاء على حماس، واشتمل النص بوضوح على وقف شامل لإطلاق النار وانسحاب الجيش الإسرائيلى من قطاع غزة وهو ما اجهضته روسيا باستخدام الفيتو على مشروع القرار وانضمت الصين إلى روسيا في رفض القرار.
وهو فشل أمريكى يضاف إلى سلسلة الفشل في تمثيلية إسقاط المساعدات الجوية على شمال قطاع غزة وإنشاء رصيف بحرى لإيصال المساعدات دون الضغط على إسرائيل لفتح المعابر البرية وتوصيل المساعدات.
واكتمل الفشل الأمريكى بالجولة السادسة لانتونى بلينكن وزير الخارجية للشرق الأوسط دون تحقيق أدنى إنجاز على أى مستوى وتبدت الدهشة من توجه بلينكن في أولى محطات زيارته إلى المملكة العربية السعودية التى لاتمتلك أية أوراق فى حرب غزة وفسر بعض المحللين ذلك بمحاولة بلينكن إقناع السعودية بالسير فى مسار التطبيع مع إسرائيل فى حالة نجاح مفاوضات الدوحة لتبادل الأسرى وفرض هدنة لمدة ستة أسابيع.
ولازلت أرى أنه من السابق لأوانه التفاؤل بشأن الوصول إلى إتفاق لفرض هدنة فى غزة وبدء تبادل للأسرى.
التطور الأخير هو موافقة مجلس الأمن اليوم الإثنين ٢٥ مارس ٢٠٢٤ على مشروع قرار لوقف إطلاق النار فى غزة وهو مشروع تقدمت به الدول الأعضاء المؤقتة في مجلس الأمن واضطرت الولايات المتحدة الأمريكية تحت الضغط العالمى إلى عدم رفض القرار والاكتفاء بالامتناع عن التصويت.
السؤال الأهم الآن هو هل تلتزم إسرائيل بهذا القرار أم يضاف إلى سلسلة القرارات التى لم تلتزم بها إسرائيل منذ عام ١٩٤٧ وحتى اليوم؟
هذا ما ستجيبه عنه الأيام القادمة.

طالع المزيد:

طارق صلاح الدين يكتب: طوفان الأقصى إلى أين؟ (21)

طارق صلاح الدين يكتب: طوفان الأقصى إلى أين؟ (20)

زر الذهاب إلى الأعلى