طارق متولى يكتب: يوميات زومبى (44) زومبى الرحلات

كنا على موعد للقيام برحلة إلى الإسكندرية مع زملاء العمل لقضاء يوم ترفيهي على الشاطىء.

صاحب الفكرة ومنظم الرحلة هو محاسب الشركة الأستاذ حسن وهو رجل دائم البحث عن المكسب والصفقات التجارية البسيطة مثل زميلنا جلال لكنه فى الحقيقة ناجح إلى حد ما فى هذا الأمر فهو مثلا دائما ما ينظم “جمعيات” بين الزملاء وهى اشتراك مجموعة من عدد معين من الأشخاص فى دفع مبلغ معين كل شهر يقبضه أحدهم بالترتيب وحسب قرعة تتم فى بداية الأمر لتحدد أدوار المستحقين لقبض المبلغ المجمع أول كل شهر.

تقليد قديم فى مصر قبل انتشار البنوك والقروض، وهى بالمناسبة أفضل من القروض فليس فيها فائدة ولا تعقيدات كل ما هنالك أنها تعتمد على الثقة بين أفراد “الجمعية” وبين منظم الجمعية والذى غالبا مايكون صاحب سمعة طيبة وأمانة.

و “الجمعية” اعتمد عليها كثير من المصريين البسطاء طوال حياتهم ، فى تسيير أمورهم خصوصا عندما يتطلب الأمر مبلغا كبيرا لشراء سيارة مثلا او شراء شقة أو زواج وغيره من الأمور.

الأستاذ حسن شخصيا اشترى سيارة واثث بيته عن طريق الجمعيات.

أستاذ حسن أيضا كان يشترى ويبيع للموظفين والعمال أى شىء فأحيانا يبيع ملابس وأحيانا يبيع عسل نحل يقول إنه يأتى به خام من إحدى القرى وأخيرا أصبح ينظم رحلات صغيرة للشواطىء .

أول مرة أشارك فى رحلة كهذه، بعد ما اقنعنى أستاذ منصف مديرنا على غير عادته أن نجتمع جميعا فى رحلة بعيدا عن العمل ونتعرف على بقية موظفين الشركة والعمال.

ذهبنا فى الصباح الباكر إلى ميدان الأوبرا حيث نقطة التجمع والتحرك بالأتوبيس الذى قام بتأجيره أستاذ حسن من إحدى الشركات السياحية، أول مالفت نظرى منظر الأتوبيس المتهالك القديم ، همست إلى أستاذ حسن بعيدا عن جمع الركاب وسألته:

“هل هذا هو الأتوبيس الذى سيذهب بنا إلى الإسكندرية؟!.

فقال لى: “نعم”

قلت له: “ألا ترى أن حالته ليست جيدة؟!.

” قال لى: “لا هذا أتوبيس ماركة كذا وهو جيد جدا على الطريق الأمر لن يأخذ أكثر من ساعتين ونصل الإسكندرية بإذن الله”.

لم ينتبه أحد من بقية أفراد الرحلة الذين بدأوا يتوافدون ويأخذون أماكنهم داخل الأتوبيس إلى حالة الأتوبيس فى خضم الشعور بجو الرحلة والإستعداد لقضاء يوم على شاطىء البحر ماعدا أستاذ منصف الذى توجس فى البداية ثم تغاضى عن الأمر وركب فى مقدمة الأتوبيس.

انطلق السائق وأدار جهاز الراديو لتنطلق منه الموسيقى والأغانى وراح بعض العمال يغنى ويصفق بهيستريا لزوم الرحلة ومحاولة إضفاء جو من المرح العجيب .

الأستاذ منصف منهمك فى قراءة الجريدة وسط هذا الصخب وكأنه لا يسمع شيئا ، عم سعيد أخرج كيس ورق به بعض الطعام وراح يأكل بيد ويمسك عجلة القيادة باليد الأخرى بطريقة زومبى عجيبة، تخطينا سريعا بوابات الطريق فى اتجاه الإسكندرية.

أصبحت الساعة السابعة والنصف صباحا، بعدها بحوالى نصف ساعة سمعنا صوت انفجار كبير واضطراب فى حركة الأتوبيس بعدها أخذ عم سعيد يبطىء من السرعة شعرنا جميعا بالخطر بسبب ميل الأتوبيس وتخبطه فى الطريق يمينا ويسارا حتى توقف أخيرا دون أن يحدث شيئا بفضل الله .

نزل عم سعيد ونزلنا خلفه لنستطلع الأمر لنكتشف انفجار إحدى الإطارات، نظرت للأستاذ حسن فتفادى نظرتى له وراح يقول:

“بسيطة أن شاء الله سوف نغير الإطار المتضرر بالإطار الإحتياطى ونواصل الرحلة “.

ساعد الركاب من شباب العمال عم سعيد فى فك وتركيب الإطار ،استغرق هذا الأمر حوالى نصف ساعة تقريبا ، اقتربت الساعة من التاسعة ونحن لم نزل بعد فى بداية الطريق تشاءم الأستاذ منصف وسأل عم سعيد السائق ” ماذا لو انفجر إطار آخر ” فأجابه عم سعيد بكل بساطة
قائلا:

“ربنا يستر أن شاء الله لو حدث هذا لا قدر الله سوف اتصل بالشركة لإرسال اتوبيس اخر أو اطارات جديدة”.

لم تعجب إجابة عم سعيد استاذ منصف وراح يتحدث بصوت منخفض مع الإستاذ حسن الذى كان يجلس بجواره
عن أهمية التأكد من سلامة الأتوبيس وصلاحية الإطارات قبل السفر وأستاذ حسن يدفع بأن هذه الأمور تحدث وأن الشركة أكدت له أن الأتوبيس بحالة جيدة.

واصلنا الرحلة وخفض عم سعيد السرعة بقدر الإمكان لتفادى أى مفاجأة أو عطل واستسلم الجميع للنعاس مع وجود بعض الهمهمات من أحاديث جانبية بين بعض الزملاء.

أصبحنا على مقربة من الإسكندرية بعد أن قطعنا ثلثى الطريق، اقتربت الساعة من الثانية عشرة ظهرا ثم حدثت المفاجأة وما استشرفه استاذ منصف، انفجر إطار أخر للأتوبيس، توقف عم سعيد نزل وحده هذه المرة وظل الجميع فى أماكنهم راح ينظر بحسرة للإطار الذى فرغ من الهواء تماما ثم نزل الأستاذ حسن وهو يعتذر لأفراد الرحلة ثم راح يتحدث مع عم سعيد الذى أخبره أنه يحاول الإتصال بالشركة لإرسال المساعدة ويبدو أن الشركة لم يكن لديها أتوبيس أخر لإرساله أو أرسال إطارات جديدة لكنهم أخبروا عم سعيد بأنهم سيحاولون التصرف ويعيدوا الاتصال به مرة أخرى.

أصبح جو الأتوبيس خانقا بفعل حرارة الشمس التى تشتد فى هذا الوقت من الصيف فى منتصف شهر أغسطس نزلنا جميعا وقفنا بجوار الأتوبيس نحتمى بظل هيكله حيث لا يوجد أى أشجار أو مبانى قريبة فقط صحراء ورمال ساخنة، تخطت الساعة الواحدة ظهرا دون رد من الشركة وبدأ الجميع يفقد أعصابه بينما اختفى استاذ حسن وعم سعيد من المشهد، لا أعلم أين ذهبا؟.

لكن بعد لحظات ظهر عم سعيد وأخبرنا أن الشركة سوف ترسل لنا عدد من “الميكروباصات” ليكملوا الرحلة بدلا من الأتوبيس وينتظر وصولهم فى غضون ساعة أخرى.

شعرنا جميعا بالإحباط ولم يبد أحد إعجابه بهذا الحل وأخيرا ظهر أستاذ حسن الذى كان يختبىء خلف الأتوبيس، فوجدها أستاذ منصف فرصة مناسبة لتوبيخه على هذا التنظيم قائلا له:

“سوف نقضى اليوم كله فى الطريق بهذه الطريقة، لماذا لم تحضر أتوبيس جيد من البداية؟!.. ثم تابع سوف اخصم ثمن هذه الرحلة كلها من مرتبك”
فأمتعض أستاذ حسن وأظهر عدم مبالاته واختفى مرة أخرى.

نكمل فى يوم اخر من يوميات زومبى فإلى اللقاء.

اقرأ أيضا للكاتب:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: