د. عبدالغني الكندي يكتب: شيخوخة الكوكب.. نحو إنشاء وكالة إقليمية للمناخ

بيان

من المقرر أن تستضيف الرياض بعد أربعة أشهر مؤتمر “أسبوع المناخ”، وهو المحفل الذي ينظر إليه العالم بوصفه من أهم التجمعات الإنسانية التي تُشكلُ هاجساً مشتركاً ومستداماً لكل المعمورة. وقد تُمثل هذه الاستضافة المحلية فرصة واعدة للمملكة بأن تتبنى مبادرة وطنية تتعلق بإنشاء وكالة إقليمية متخصصة بالمناخ والأمن البيئي بحيث ترتبط في نشاطها وأعمالها بالوكالات الدولية المعنية. ومثلما حظيت “مبادرة الرياض” التي اقترحت تدشين شبكة عالمية لمكافحة الفساد وتبادل المعلومات بين الفاعلين الدوليين بدعم الوكالات الدولية والدول الكبرى، فمن الوارد جداً أن يحظى مقترح إطلاق مبادرة إنشاء وكالة إقليمية للمناخ بنجاح منقطع النظير، وبقاعدة شعبية واسعة، وقبول دولي كبير.

ولعل أهمية فكرة تبني إنشاء وكالة إقليمية متخصصة في المناخ تنبع من أن أزمة الاحتباس الحراري تُعدُ من أهم التحديات التي تُشكلُ وعي الرأي العام العالمي، وتمثلُ هاجساً حقيقياً لدى صناع القرار. بل كانت سبباً جوهرياً في صياغة الكثير من المبادرات والقرارات الاستراتيجية من قِبل الدول الكبرى، والمنظمات الدولية. وهذا التوجه الإنساني سواء كان على صعيد النخب السياسية والعلمية أو الشعبية هو نتاج لظاهرة الاحتباس الحراري وتغيرات المناخ التي تشير بشكل مخيف إلى أعراض مستدامة تدلُ على شيخوخة كوكب الأرض واحتمالية احتضاره وانقراض النوع الإنساني وكل الكائنات العضوية فيه. فعلى مدى عقود منصرمة ازدادت معدلات الأنشطة الصناعية في العالم، والتي أدت إلى ارتفاع تاريخي غير مسبوق في نسب درجات الحرارة بسبب حرق الوقود الأحفوري وغيرها من الأنشطة الإنسانية التي أسهمت بما يُعرفُ بين علماء المناخ بظاهرة الاحتباس الحراري أو الغازات الدفيئة. ويعتبر علماء المناخ أن هذا النوع من الغازات من أهم المصادر الرئيسة الملوثة للبيئة لاحتوائها على غازات ضارة للغلاف الجوي كثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز وسداسي فلوريد الكبريت. وقد أسهمت كثافة هذه الغازات الدفيئة إلى ارتفاع حاد وغير مسبوق في درجات حرارة الغلاف الجوي، مفضية بذلك إلى أشكال متنوعة من الكوارث الطبيعية على الحياة الإنسانية وعلى كوكب الأرض كالاضطرابات الجوية، وارتفاع حرارة الأرض والمحيطات والبحار، واشتعال النيران في الغابات، ونفوق الكثير من الكائنات الحية، وتجريف التربة، وإذابة المناطق والجبال الجليدية في قطبي الكرة الأرضية، وحدوث الفيضانات، وهبوب الأعاصير الشديدة، ونشوء الزلازل، وانفجار البراكين، ونضوب الينابيع، وتجفيف الأنهار والمياه العذبة، وتصحر واضمحلال الأراضي الصالحة للزراعة، وانتشار الأوبئة والأمراض. بل أسهمت هذه الظواهر الطبيعية أيضاً في إنتاج تحديات اجتماعية واقتصادية جديدة كالفقر والبطالة والهجرات الجماعية وانتشار الجرائم والحروب. ومن هذا المنطلق، أشار كثير من خبراء العلوم السياسية إلى أن كوارث هذه الظواهر الطبيعية وما يتبعها من تداعيات تدميرية على المستوى الاجتماعي والاقتصادي تعدُ من أهم المخاطر السياسية والمهددات الاستراتيجية على أمن الدول واستقرارها.

ورغم أن الانبعاثات الكربونية الصادرة من الصين  (32.48%) وأميركا (12.6%) تُشكلان لوحدهما تقريباً نصف ما ينتجه العالم من مواد كيمائية ضارة على الكوكب وفق تقرير World Population Review في العام 2020، إلا إنه غالباً ما ينظرُ إلى الدول النامية بشكل عام والدول المصدرة للنفط بشكل خاص باعتبارهم من أهم المساهمين في استمرارية وديمومة أزمة المناخ بسبب اعتماد هياكلها الاقتصادية بشكل كبير على احتراق الوقود الأحفوري والمفضي إلى انبعاث الغازات الكربونية. ومع أن مقارنة الدول النفطية والنامية بالدول الصناعية من حيث معدلات الانبعاثات الكربونية ومسببات الاحتباس الحراري غير عادلة بأي حال من الأحوال، إلا أن الدول الصناعية الكبرى كانت قد مارست الكثير من الضغوط على تلك الدول، وفرضت ضرائب عالية على المشتقات النفطية المستوردة، وعقدت في سبيل ذلك عدداً لا يستهان به من المؤتمرات والاتفاقيات الدولية والتي تمخضت عن اتفاقية باريس للمناخ، والتي تعهدت بموجبها الدول الأعضاء، ومن بينها الحكومة السعودية، باتخاذ كافة التدابير الممكنة لأنسنة المدن، والتحول من الاقتصاد الأحفوري إلى اقتصادات مرتكزة على الطاقة المتجددة والنظيفة والالتزام بتطبيق المعايير الدولية فيما يتعلق بشروط البيئة الصحية والملائمة لجودة الحياة الإنسانية. وبموجب تلك الاتفاقية، التزم الدول الأعضاء بتخفيض معدلات الاحتباس الحراري لأقل من درجتين مئويتين علاوة على تخفيض الانبعاثات الكربونية بنسب متفق عليها، وعلى أن يتم مراجعة مدى التزام تلك الدول بتعهداتها بعد كل خمس سنوات.

وفي سبيل تحقيق التزامها بتعهداتها الدولية، والحفاظ على استقرار المناخ، ونظافة البيئة، وتصفير الغازات الدفيئة، وترسيخ الحياد الكربوني، تبنت السعودية في مستهدفات رؤية 2030 كل ما يحقق أهداف وطموحات العالم الذي تسكنه هواجس الحفاظ على استمرارية بقاء النوع الإنساني والكائنات العضوية الأخرى والحيلولة دون انقراضه، وفناء كوكب الأرض من الوجود. وفي هذا الشأن تم بلورة وصياغة العديد من مستهدفات الرؤية في مبادرات مناخية عالمية كمبادرة المملكة العالمية للمناخ عند ترؤسها لقمة العشرين في العام 2020، التي أكدت مخرجاتها على الحياد الصفري لانبعاثات الكربون، واتباع نهج الاقتصاد الدائري الكربوني. وعلى الرغم من أن تلك المبادرة لم تتبلور في إطار مؤسساتي دولي أو إقليمي وآليات تنفيذية واضحة تقوم بفتح قنوات رسمية وغير رسمية مع الدول الأعضاء بهدف تبادل المعلومات وتعزيز أواصر التعاون وتوثيق العلاقات الدولية فيما بينهم في كل ما يتعلق بالقضايا والملفات ذات الصلة بأزمة المناخ، إلا أن قادة العالم ومنهم على وجه التحديد صناع القرارات في الدول الصناعية، احتفوا بتلك الخطوة الجريئة والشجاعة من القيادة السياسية السعودية، والتي عززت بدورها من صورة القوة الناعمة للسعودية عند النخب السياسية الدولية، والرأي العام العالمي. بل إن الكثير من برامج الرؤية المتعلقة بالمناخ تم الإعلان عن تطبيقها وإخراجها إلى حيز التنفيذ كمشروع الأحلام الاستراتيجي الصديق للبيئة نيوم وما يكتنفه من مشروعات فرعية كمسار ذا لاين، وإكساجون الذي تمدها الطاقة النظيفة بنسبة 100%، وبناء المحطات الهيدروجينية، بالإضافة إلى تشييد مشروعات طموحة صديقة للبيئة في كل أنحاء المملكة كأنسنة المدن، والاهتمام بالغطاء النباتي، وحماية الحياة الفطرية، ومشروع الرياض الخضراء، وغرس عشرة مليارات شجرة. ومن أجل ذلك تمَّ سن التشريعات والقواعد القانونية التي تحقق كل تلك المشروعات، وتسخير كل الموارد والتسهيلات المادية والاقتصادية والرساميل الوطنية والاستثمارات الأجنبية لتحقيق هذا المنجر الإنساني والتاريخي.

وفي اعتقادي بأن فرص المملكة لتعزيز قوتها الناعمة المُعبرُ عنها في مستهدفات رؤية 2030 وما تنطوي عليها من طموحات إنسانية ستكون مواتية جداً في مؤتمر المناخ المزمع عقده بالرياض. فهناك إمكانية عظمية متاحة لأن تبلور المملكة طموح سكان العالم بالعيش في بيئة صحية ونظيفة وعبر منجز تاريخي ومستدام. وإحدى الطرق الاستراتيجية لمثل هذا الأمر قد يكون على غرار نجاح مبادرة الرياض، وذلك من خلال إطلاق مبادرة إنشاء وكالة إقليمية تُعنى بالمناخ والاحتباس الحراري وترتبط بالوكالات الدولية المعنية، والاستعانة بالكفاءات والكوادر السعودية المتخصصة ذات العلاقة بقضايا البيئة والانبعاثات الكربونية.

……………………………………………………………………………………….

الكاتب: أستاذ مساعد في قسم العلوم السياسية بجامعة الملك سعود

……………………………………………………………………………………….

المقال منقول عن جريدة الرياض وهذا رابطه: https://www.alriyadh.com/2031017

……………………………………………………………………………………….

اقرأ أيضا:

عبد الغنى الكندى يكتب: لماذا كانت الحرب متوقَّعة في السودان وسوريا وليست كذلك بمصر وتونس؟

عبدالغنى الكندى يكتب: المرأة ومجتمعات الأنا العليا الصلبة

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى