تاريخ أغفله التاريخ: هل غدر الجميع بفاروق فعلا؟!!

أحمد أبو بيبرس

سردية يكتبها: أحمد أبوبيبرس

نستكمل حديثنا عن الملك فاروق ملك الكوليرا والفساد والقمار والنساء من واقع مقال جديد لعادل حمودة يحكى فيه فضائح العائلة الملكة ونزوات نازلى أم الملك الأخلاقية ونزوات زوجته الأولى الملكة فريدة، وعنوان مقدمة المقال مستوحى من كتاب مشبوه صدر عام ١٩٨٦ لتلميع فاروق بعنوان: ” الملك فاروق الذى غدر به الجميع “.

نقلاً عن الأستاذ عادل حمودة.. فعلا غدر به الجميع …!

كنت أتصورها أمرأة كالدهشة فى أرض البشر.. تحمل في يدها قصيدة حب رومانسية.. وتحمل في – اليد الأخرى سجادة صلاة .. لكننى اكتشف أنها تتعامل مع الرجال كما تتعامل مع طوابع البريد.. وأن لديها مجموعة من أغرب الطوابع.. وأندر الطوابع.. تلصقها على حدود القلب.. وحين تصاب بالملل.. تنزعها .. وقد كان الملك فاروق هو أول هذه الطوابع .. ولكنه لم يكن آخرها ولا أندرها .. كان في حياة الملكة فريدة طوابع أخرى.. سرية وخفية.. مصرية وأجنبية.
منذ سنوات أهديت الكاتب الصحفى المتصل البريق محمد حسنين هيكل كتابي عن «آخر ملوك مصر».. الملك أحمد فؤاد الثانى.. الملك الرضيع الذي تولى عرش مصر وهو في اللفة».. وسقط من عليه وهو لا يعرف أنه قد اعتلاه.. وبعد أن قرأ هيكل الكتاب قال لى: «إن ملاكك الحارس لم يكن كما صورته في الكتاب».. كان يقصد الصورة الزائفة الخادعة التي كانت عليها الملكة فريدة.. وكان يشير الى الخطأ الشائع – الذي وقعت فيه – عن براءتها ووداعتها.. وأنها كانت مثل الخط المستقيم.. ولم تكن مثل الخط المشرشر .. وكانت حجتى فيما تصورت وكتبت المظاهرات الشعبية التي خرجت بعد طلاقها من الملك فاروق والتي كانت تهتف فى الشوارع وأمام قصر عابدين: فريدة خرجت من بيت الدعارة الى بيت الطهارة».. إنه حكم الدفاتر القديمة.. لكن.. كان هناك فى جراب التاريخ أسرار جديدة.
في كتبه المفاوضات الرسمية بين العرب واسرائيل، يستخرج هيكل من الوثائق البريطانية ما يجعله يؤكد ويقول بصورة قاطعة أن الملكة فريدة كانت زوجة غير مخلصة لزوجها، رغم المحاولات لا لزوم لها لرسم صورة مغايرة.

إن التماثل في السن بينها وبين زوجها الملك فاروق خلق – على ما يبدو – لديها حاجة إلى رجل أكثر نضجا.. وكان أن وقعت في غرام وحيد يسرى (باشا) وهو بمثابة ابن عمة الملك والأسوأ أن أمه الأميرة شويكار الزوجة الأولى للملك فؤاد.. وقد كانت أول من زين للملك فاروق الفساد.

ويستطرد هيكل لكن مشكلة الملكة فريدة كانت فيما يبدو أعمق من ذلك… فوثائق القصر والسفارة البريطانية والخارجية البريطانية تربطها بعلاقة غير شرعية مع ضابط بریطانی اسمه الكابتن سيمون الويس.. وكان قبل الحرب رساما له مستقبل.. وقادته خدمته في مصر الى التعرف على بعض العائلات الكبيرة بها.. ورسم بالفعل صورا لبعض شخصياتها بما في ذلك صورة للسيدة ناهد سرى وهي قرينة حسين سرى باشا – الذي كان رئيسا للوزراء – وفي نفس الوقت خالة الملكة فريدة.. وهكذا فان سيمون الويس دخل القصر أول مرة يرسم صورة زيتية للملكة ثم تذرع بأن زحام القصر يفسد الهامه فدعاها الى تكملة الصورة في مرسمه وتطورت الأمور بين الأثنين.. وحين انكشفت العلاقة قام السفير البريطاني نفسه بالتحقيق مع الضابط الفنان الذي بلغ به السخف حد أن يقول إنه لا يستطيع أن يرسم صورة إلا إذا أحس مباشرة بموضوعها.. و (يبدو أن ميكروب الرسم الذي احترفته فيما بعد قد تسلل إليها من هذه العلاقة).. وقد جرى ترحيل هذا الضابط الى جنوب أفريقيا فى ظرف أربع وعشرون ساعة وكان ذلك فى ربيع عام ١٩٤٣.

وبهذه الضربة القاسية التي تلقاها الملك فاروق على ظهره انكسر تماما.. وفقد سلامته النفسية .. ومن ثم فقد صلاحيته السياسية.. وتحول من ملك شاب يتفاءل به الشعب الى مريض بالاضطراب والشك وفقدان الثقة في الذات، وبداء السرقة والقمار، وبخطف ما في يد الآخرين من نساء وأشياء ثمينة.. وتحول قصر عابدين من مقر للسلطة الى مصحة للأمراض العقلية.

لكن.. من الذي كان يجرؤ على أن يقول للملك: إنك مريض يا مولاي أنك في حاجة الى علاج عاجل وإلا دفعت الأمة – ودفع النظام الثمن.. وهو ما حدث فيما بعد.. لا أحد جرؤ على أن ينصح الملك بما يعيد اليه التوازن النفسي والسياسي.. بل راح الجميع ينفذون من الثغرات التي بدت مكشوفة لهم، ويلعبون على الأوتار المغرية بعزف سيمفونية الفساد النحاسية الصاخبة… وهي اللعبة المفضلة للحاشية في كل زمان ومكان.. أن ينفخوا في الحاكم حتى يطير .. أن يعزلوه عن الناس فلا يراهم ولا يسمعهم ولا يشعر بهم… وعندما تغرق المركب.. تكون الحاشية مثل الفئران أول من يفكر في النجاة والهرب.. ولكن لا أحد يتعلم الدرس إلا بعد فوات الأوان.. إنها مأساة يجسدها الملك فاروق الذي غربت شمسه في مثل هذه الأيام قبل ٤٨ سنة.
لم تكن خيانة فريدة الزوجة هي الضربة الأولى التي تلقاها فاروق على ظهره سبقتها خيانة أخرى ارتكبتها نازلی.. أمه.

إن نازلي التي كانت تكره زوجها الملك فؤاد مشت على حل شعرها، بعد وفاته.. باعت ثيابه في سوق الكانتو، فكان باعة الروبابيكيا، ينادون في الشوارع بدلة الملك بجنيه.. ولم تتردد في غواية أحمد حسنين رئيس الديوان الملكي.. والذي نجح في أن يتزوجها في السر بعد أن رفض دور العشيق».. فدور الزوج في كواليس القصر وحجراته الخلفية أقوى وأبقى.. وقد كان أحمد حسنين يعرف أن السيطرة على الملك فاروق تبدأ بالسيطرة على أمه..

وقد روى لى أمين فهيم السكرتير الخاص للملك فاروق والذي ظل معه حتى في المنفى – وسجلت ما رواه بالصوت والصورة – كيف أن الملك فاروق كان يتسلل على أطراف أصابعه الى جناح أمه وهو يحمل مسدسا في يده ليضبطها وهي في أحضان أحمد حسنين.. والرواية الشائعة أنه عندما وصل الى غرفة نومها وجد أحمد حسنين يعلمها قراءة القرآن. ولكن الرواية الحقيقية – على لسان شاهد العيان أمين فهيم – أن الملك ضبطها مع أحمد حسنين في وضع لا يليق… وقبل أن يضغط الملك على الزناد فتح أحمد حسنين قبضة يده وأخرج منها صورة عقد الزواج.

لقد كان أحمد حسنين يضع العقد في يده أربع وعشرين ساعة.. ولم يكن هذا العقد هو عقد زواج بأم الملك بقدر ما كان عقد سيطرة على الملك .. عقد تحكم فيه.

لقد كان أحمد حسنين واحدا من اثنين اختارهما الملك فؤاد للإشراف على تربية ابنه فاروق .. ورافقاه في رحلة العلم التي لم تكتمل في بريطانيا.. وكان الأخر هو عزيز المصرى.. وقد كان عزيز المصرى صارما مستقيما على عكس أحمد حسنين الذي كان فاسدا متساهلا … وهو ما أصاب فاروق بتناقض حاد عانى منه فيما بعد .. وعانت منه مصر».

إن فاروق الذي بدأ حياته على العرش شابا ذكيا قادرا على تعويض ما فاته من علم وثقافة سرعان ما وجد من يزين له الفساد.. ويحرضة ويجبره عليه نفسيا وواقعيا.. وقبل أن يصلب عوده كسرته أمه وهشمته ونثرت شظاياه في كل مدينة في مصر.. لم تدرك الملكة نازلى مسئولية حماية العرش والنظام.. وفتحت الباب أمام شهواتها على مصراعيه.. كانت لا تتردد في أن تقول: إنها عاشقة محرومة.. وإنها في حاجة الى الحب.. والحب لا تصنعه إلا التجارب.. أنا مجنونة بالحب.. ولكن إذا سألوني عنه فأنا أفضل ألا أجيب.

وقد غادرت نازلى مصر عندما راح فاروق يضيّق الخنّاق عليها.. وقد سألها مصطفى أمين وهي في الولايات المتحدة: متى تعودين إلى مصر ؟… فقالت: «عندما يعود فاروق إلى عقله»..

ثم أضافت: «نحن نبنى الأصنام من الشمع ثم نبكى إذا ذابت من الشمس..».
لقد بنى المصريون فاروق من الشمع وهم في دهشة لأنه يذوب… ولكني لم أشك أن هذا سيحدث يوما ما .. لقد نفخ الذين حول فاروق فيه، ولا يزالون ينفخون، وسيجيء يوم ويفرقع.. وكثيرا ما كنت أقول له لا تسمع أقوال الذين يزينون لك الأشياء السيئة التي تفعلها .. فكان يثور ويغضب.. ولقد يئست من إصلاحه ولهذا رأيت أن أبتعد عن مصر.. لأنني أعتقد أنه سيجيء يوم يعرف فيه الناس خارج القصر ما يعرفه من هم في داخله.. وعندئذ ستكون الكارثة.

والحقيقة أن نازلي كانت بداية الكارثة.. سواء في القصر أو في خارجه.. سواء في مصر أو في خارجها.

ويروى مصطفى أمين أنه كان على رئيس الوزراء محمود فهمی النقراشي السفر الى نيويورك في يوم الأثنين ١٤ يوليو ١٩٤٧ لعرض مشكلة مصر على مجلس الأمن.. وسأله الملك فاروق: هل أنت مستعد لهذه المهمة الصعبة؟».. فقال النقراشي: كل شيء استعددت له.. وأنا مستعد لأي مفاجأة ولكن هناك شيئا واحدا أنا غير مستعد له… فتساءل فاروق في دهشة: «وما هو … فقال النقراشي: والدتك الملكة نازلي إنني لا أريد أن أكون في الولايات المتحدة وهي هناك.. إنني أخشى أن تفعل فصلا باردا» بينما أعرض قضية مصر على مجلس الأمن… فتساءل فاروق مرة أخرى وماذا يمكن أن تفعل؟».. فقال رئيس الوزراء أخشى ان تذهب الى كباريه وترقص هناك أو تدلي بتصريح أو تقول عبارة لا تتفق مع جلال الموقف الذي نحن فيه.. وطالبه الملك أن يعيد امه الى مصر، لكن النقراشي باشا قال له: إن مهمتي هي إجلاء الانجليز عن مصر، لا إجلاء الملكة نازلي عن أمريكا.
وأغلب الظن أن إجلاء نازلي عن أمريكا كان أصعب من إجلاء الانجليز عن مصر .. لقد قررت نازلي في سنواتها الأخيرة في الولايات المتحدة أن ترتد عن الإسلام وأن تتنصر وتعتنق المذهب الكاثوليكي.

وقد أثرت نازلي على ابنتيها اللتين عاشتا معها في أمريكا وهما فايزة وفتحية وكل منهما ماتت وهي مسيحية كاثوليكية».. وفتحية بالذات – ماتت مقتولة .. قتلها رياض غالي.. ثم أطلق الرصاص على نفسه وانتحر .. وهكذا .. تحولت العائلة الملكية الى كتيبة إعدام شديدة القسوة، وشديدة الأنانية .. ومعدومة الرؤية، فلم تكن تدرك أنها تغتال الجالس على العرش فقط.. وانما تغتال النظام الملكي بأكمله في مصر… وأثبتت دون أن تقصد نظرية المؤرخ الشهير أرنولد تويني عن سقوط النظم والحضارات.

إن نصابا مغامرا مثل رياض غالي نجح في أن يمد شباكه إلى الملكة نازلي.. ثم نجح في إقناعها بأن تزوجه ابنتها فتحية.. لقد كان رياض غالي موظفا في الخارجية.. وقد تعرفت عليه الملكة الأم في مرسيليا عندما انتدب ليكون في خدمتها خلال رحلتها هي وفايزة وفتحية إلى فرنسا في منتصف عام ١٩٤٦ … وكانت مواهبه هي شدة الأناقة ورشاقة الرقص وبراعة البروتوكول، والخنوع حتى التمكن.. وقد قبلت نازلي أن ترقص معه في الملاهي والحانات.. ولم تستجب لتحذيرات ابنها ولا لشكواه.. وكل ما نجح فاروق فيه هو أنه طرد رياض غالي من وزارة الخارجية فعينته نازلي سكرتيرا خاصا لها بمائة جنيه… وأرسلت خطابا إلى فاروق شديد اللهجة تتهمه فيه بالظلم والاستبداد، وتقول له: « إن رياض غالي لن يموت من الجوع وأنها ستدفع له أضعاف مرتبه ولم يكن رياض غالي يحلم بنازلي ولكن كان يحلم بفتحية.. ولكنه كان يعلم أنه لن ينال قلب فتحية إلا برضاء نازلي.. بكل ما تعنيه الكلمة، وبكل ما توحى به.. وقد كانت فتحية التي كانت في السادسة عشرة من عمرها ترى فيه – على حد وصف مصطفى أمين – فارسا من فرسان القصص والروايات الغرامية.. وقد تحول هذا الفارس إلى زوج عندما عثر لها على «مشبك» من الألماس كان قد سقط منها في أحد المسارح، وبهذا المشبك شبك قلبها .. ثم زاد إعجاب فتحية به عندما وجدته يشترى مسدسا سريع الطلقات ليحميها ويحمى الأم الملكة.. ولم يخطر على بالها أن هذا المسدس هو الذي ستقتل به.. وأن الخطر الحقيقي سيكون أقرب إليها مما تتصور.. سيكون من الذي تطوع لحمايتها.

ووصلت سيطرة رياض غالي على الملكة نازلي إلى حد أنها قالت: «إنها اذا أرادت أن تختار بين صداقتها لرياض غالي وأمومتها لفاروق فانها تختار صداقة رياض غالي لأن فاروق أثبت في كل مناسبة أنه ولد عاق.. أما رياض فقد أثبت أنه ولد مخلص».

ولم تتردد نازلي في أن تصف ابنها بالجنون علنا في أحاديثها الصحفية .. فخرجت إحدى الصحف الأمريكية تقول على لسانها ابنى مجنون».

وقالت.. إن ابنها أصيب بمرض السرقة والاغتصاب وأنه أصبح يريد أن يسرق كل إنسان حتى أمه وأخواته».. وفي الوقت نفسه كانت تقيد بوفاء واخلاص رياض غالي الذي لم يستحوذ على عقل نازلي وقلب فتحية فقط وإنما استحوذ على أموالهما ومجوهراتهما وأصبح المتحكم في كل شيء.

وفي مذكرات كيرميت روزفلت مسئول المخابرات الأمريكية عن الشرق الأوسط، أنه لم يصدق تهمة الجنون التي رمت بها الملكة نازلي ابنها الملك فاروق.. وقد كان روزفلت يتصور أن الملك فاروق يمكن أن يقوم بثورة سلمية يطهر بها نظام حكمه الفاسد.. ويحسّن من صورته بمساعدة رجال في الصحافة والأمن والحكومة مدوا بجسورهم الخفية مع المخابرات الأمريكية.

وجاء كيرميت روزفلت اإلى مصر وعن طريق كريم ثابت جرت مقابلة مع الملك فاروق ولكن كيرميت روزفلت رفع تقريرا لقيادته في واشنطون يؤكد فيه أن الملك فاروق مثله مثل أي حاكم مخلوق بالبطانة الفاسدة لم يفهم الخطر المحدق به وبنظامه وكل ما راح يتحدث فيه هو مجموعة السيارات والبنادق التي يمتلكها، إنه من أصحاب العقول غير الثقيلة ولكن ما وصل إليه كان بسبب الذين من حوله فكلهم بلا استثناء استغلوه واستفادوا منه ولم يأخذ فاروق من نصائح گرمیت روزفلت سوى إطلاق لحيته في محاولة لتحسين صورته.. ونجح فى أن يجد من بين الشيوخ من هو مستعد أن يبيع ضميره ويثبت ذلك.. ولم يتجاوز تفكيره هذه الصورة الشكلية .. لا هو نجح في أن يحارب الفساد الذي حوّل نظامه إلى نظام هش ينخر فيه السوس.. ولا هو عالج نفسه من أمراضه النفسية والعقلية التي كسرته وحولته إلى بقايا إنسان، وكان من الطبيعي بعد ذلك أن يقوم ضباط الجيش بما قاموا به في ليلة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ .. ولم يكن من الصعب أن ينجحوا في تحطيم وإسقاط النظام بهذه السهولة التي جرت.. فقد كان النظام قد انتحر ولم يكن على جمال عبد الناصر ورفاقه سوى دفنه وتشييعه اإلى مثواه الأخير.

………………………………………………………………………………….

المصدر: مقال فى جريدة أهرام السبت الأسبوعى لعادل حمودة يوليو عام ٢٠٠٠

اقرأ فى هذه السلسلة:

زر الذهاب إلى الأعلى