عاطف عبد الغنى يكتب: «ماكدونالدز» على خط المواجهة 

يؤرخ الإعلام، والصحافة الأمريكية بشىء من الصلف والغرور إلى انتصار الرأسمالية الغربية على الشيوعية بمشهد يعده فارقا بين عهدين، ويراه بمثابة كلمة النهاية لحقبة الحرب الباردة، وفى هذا المشهد يظهر عامود معدنى يقف شامخا فى ميدان بوشكين الشهير بموسكو العاصمة السوفيتية ويحمل حرف “أم M” بشكله المميز الذى يشير إلى مطاعم الهامبورجر الأمريكية الشهيرة “ماكدونالدز”.

ماكدونالدز فى روسيا يوم الافتتاح الأول
ماكدونالدز فى روسيا يوم الافتتاح الأول

كان ذلك في وقت مبكر من نهار يوم 31 (يناير) 1991 وقد احتشد آلاف من سكان موسكو فى ساحة بوشكين، ليتذوقوا لأول مرة الطعام المريكى اللذيد والشهير، برجر ماكدونالدز (MCD.N).

وانضم إلى التظاهرة الاحتفالية صحفيون روس، ومراسلون أجانب، وكذا عدد من الدبلوماسيين، يقاومون الانتظار، والزحام فى صبر، وقد جمعتهم الرغبة في عدم تفويت فرصة افتتاح أول مطعم لـ “ماكدونالدز” على الإطلاق، وقبل شهور من الإعلان الرسمى بتفكيك الاتحاد السوفيتي، وإعلان أنهيار الإمبراطورية الشيوعية، وانتصار الرأسمالية الغربية.

أرسلت السلطات السوفيتية بضع عشرات من رجال الشرطة تحسبا لخروج الحشد عن السيطرة، بينما التف الصحفيون حول جورج كوهون، المستثمر البالغ من العمر 52 عامًا الذي أدخل لأول مرة الوجبات الأمريكية السريعة إلى روسيا.

كان المستثمر الأجنبى صاحب الامتياز يحمل الجنسية الكندية، وكان هذا فى حد ذاته تأكيدا للشائعات التى انتشرت فى فى موسكو فى هذا الوقت، وتشير إلى أن امتياز “ماكدونالدز” الأمريكي لم يتوجه للاستثمار وافتتاح فروع له فى الاتحاد السوفيتى لأسباب سياسية، بينما سمحت الشركة الأم للمستثمر الكندى باتخاذ هذه الخطوة،

وشرح كوهون، للصحفيين الذين التفوا من حوله، بفخر كيف جاب المزارع السوفيتية فى جولات عديدة – وكانت لا تزال فى هذا الوقت تحت ملكية الدولة – للعثور على الأبقار المناسبة لتحويل لحومها إلى برجر.

كما أكد للصحفيين أنه استورد أصنافًا خاصة من شتلات وبذور البطاطس، ليتم زراعتها في الحقول الروسية، حتى تنتج نوع الثمرات المناسبة للبطاطس المقلية المشهور بها “ماكدونالدز.

وفهم الصحفيون المحتشدون يدونون هذه التفاصيل خلف الرجل باهتمام كبير، أن أهمية الأمر تتجاوز إشباع شهية الروس الذين يتأهبون للإنسلاخ من الشيوعية، فى شغف الاندفاع لكل ما هو أمريكى، وأوله أصناف الطعام بتناول “البرجر و البيج ماك” مع افتتاح “ماكدونالدز” في تمام الساعة 10 فى هذا اليوم، ليصبح هذا الافتتاح، بالنسبة للمواطن الروسى والأجنبى – على حد سواء – أول تأكيد مادي، بعد شهرين فقط من سقوط جدار برلين، على انتهاء الحقبة السوفيتية.

وأشاعت الدعاية الغربية أن افتتاح فروع “ماكدونالدز” تأتى تأكيدا على أن رئيس الاتحاد السوفيتي ميخائيل جورباتشوف كان جادًا، حتى ولو تردد فى بعض الأحيان، بشأن سياسات الإصلاح الاقتصادي والسياسي “البرسترويكا”، وأن نشر الديمقراطية والحرية فى البلدان الشيوعية لا رجعة فيها، والدليل: “الطعام الأمريكى الممثل فى البيج ماك”.

وهذا الأسبوع أعلنت “ماكدونالدز” أنها ستغلق 850 فرعا لها في روسيا بحجة أنها لا تستطيع تجاهل “المعاناة الإنسانية التي لا داعي لها” والتي سببها غزو فلاديمير بوتين لأوكرانيا، وتعلق الدعاية الغربية على هذا القرار بالقول إنه بعد أكثر من ثلاثة عقود ، عاد التاريخ إلى الوراء.

ومن جانبها قالت الشركة التي تتخذ من شيكاغو مقراً لها إن الإغلاق مؤقت، رغم أن هذا يبدو تعبيراً عن الأمل أكثر من كونه خطة دائمة.

وأرسلت “ماكدونالدز” رسائل طمأنينة بالقول إنها ستظل تدفع رواتب موظفيها الروس البالغ عددهم 62 ألفًا، رافضة التنبؤ بالوقت الذي قد تكون فيه (الفروع) قادرة على إعادة التشغيل.

وعلى الرغم من أن وجبات “ماكدونالدز” تحديدا لم يعد لها نفس قيمة الندرة، بعد أن صار بإمكان رواد المطاعم الروس الحصول على وجباتهم السريعة من منافذ أخرى تبيع الطعام الأمريكى، مثل كنتاكي فرايد تشيكن ، وبيتزا بابا جونز الشهيرة، وبرجر كينج ، وغيرها، لكن هؤلاء الأخيرين أيضا أغلقوا فروعهم وتوقفت ماركات منها عن الاستثمار في روسيا، ومثلها أغلقت سلسلة المقاهي الشهيرة ستاربكس (SBUX.O) أبوابها أيضًا.

لكن لم يذهب الحاضر بالذكريات فلا يزال لماكدونالدز أهمية رمزية، بالنسبة للغرب وللروس معا، فهو أول علامة تجارية دولية كبرى تنشئ متجرًا في موسكو، حتى ولو تبعتها “بيتزا هت” بعد بضعة أشهر.

وفي ذلك الوقت كان أمام الاتحاد السوفيتي بشكله وتكوينه القديم بعض الوقت قبل الانهيار، وكان من الصعب تخيل أن روسيا ستدخل فى غضون شهور قليلة عقدًا من الخصخصة الجامحة ، أو أن طبقة جديدة من الأوليجاركية (تحالف السلطة ورأس المال) سوف تستولي على الموارد المعدنية للبلاد، أو أن المستثمرين الأجانب سيتدفقون على العاصمة الروسية بحثًا عن أرباح ضخمة.

وفي عام 1990 ، لم يكن المواطن الروسى يمتلك الدولارات، حيث منع من حيازة العملات الأجنبية، لذلك قامت ماكدونالدز بتسعير البرجر بالروبل غير القابل للتحويل، وكانت وجبة الـ “بيج ماك” تكلف المستهلك ما بين 2٪ إلى 3٪ فى المتوسط ​من راتب المواطن الروسى الشهري، ويساوى بحساب اليوم 60 دولارًا أمريكيا، وهو سعر ليس كبيرا، وقد قدم ماكدونالدز أكثر من 30 ألف وجبة في يوم افتتاحه الأول فى موسكو.

.. لم يكن “بيج ماك” مجرد طعام غريب ، بل كان يمثل مذاق أمريكا، التي كانت علاماتها التجارية موضع إعجاب وحسد ، والبضاعة التى يتم تداولها سرا بشكل نشط في السوق السوداء، خلال سنوات الاتحاد السوفيتي القاتمة.

ولم يمضى الكثير حتى صار انتشار سلسلة محلات ومطاعم الوجبات السريعة الأمريكية إلى أن روسيا ماضية فى الانخراط بالاقتصاد الغربى الآخذ في دخول عصر العولمة، وسُمح للروس بالسفر والاستثمار والتجارة مع الغرب.

ثمة مشهد أخر سبق افتتاح “ماكدونالدز” موسكو ببضعة أشهر، وفى هذا المشهد تجمع المواطنون الروس في ساحة بوشكين مستخدمين حقهم الجديد – الذى حصلوا عليه – فى حرية التظاهر، للتعبير عن نفاد صبرهم من وتيرة الإصلاح البطيئة.

وسرعان ما جاء الرد من الرئيس جورباتشوف على المتظاهرين بافتتاح “ماكدونالدز” وتلاه السماح للعديد من العلامات التجارية الغربية من أجهزة الكمبيوتر إلى ماركات الملابس الشهيرة، لكن الدعاية الغربية الغاضبة على روسيا الآت تردد أن هذا كان يحدث جنبًا إلى جنب مع قمع السلطات المحلية على ما تبقى من حريات للمواطنين، وأن السير فى الطرقين (الانفتاح الاقتصادى والتضييق على الحريات) لم يكن قابلاً للتراجع.

واليوم مع الغزو الروسى لأوكرانيا يرى الغرب أن ساحة بوشكين فى موسكو أحد الأماكن الرئيسية التى لن تسمح الشرطة الروسية للمواطنين المعترضين على غزو أوكرانيا، بالتواجد أو التظاهر فيها.

ملحوظة أخيرة: هذا الموضوغع سوف تجد مثيل له فى معظم الصحف والمواقع الغربية الشهيرة والكبيرة، وبالطبع الأمر ليس مصادفة، ونحن فقط نذكرهم بهذا الألإمر الذى يرونه غير مهنى عندنا، أقصد أنه حلال عليهم وحرام علينا .. فقط ننبه

اقرأ أيضا للكاتب:

 

زر الذهاب إلى الأعلى