أسماء خليل تكتب: وتبقى بداخلي تلك الأشياء

كنا في زيارة لإحدى قريباتنا في ضاحية من ضواحي مصر القديمة.. كم سعدتُ وأنا في الطريق بجمال المنظر والعراقة والأصالة ورائحة كل ما هو قديم؛ فالنفس دائمًا تهفو وتحن للماضي..وحينما وطئت أقدامنا دار قريبتنا وبعد السلام والترحيب، بدأنا تنسيق المنزل حتى نستطيع المبيت، فقد كانت السيدة عجوز ولا تقدر على ترتيب قطع الأثاث…

وبينما أنا أحرك منضدة مستطيلة الشكل من مكانها؛ إذ وقع المفرش ذات التطريز الكلاسيكي الذي كان يغطيها.. ورأيت تلك الرسمة ذات الخطوط المقسمة التي كان لا يخلو منزل من رسمها على المناضد.. كان البعض منها رسومات لعبة الطاولة والبعض الآخر مربعات لعبة الشطرنج…

آهٍ… ما أجمل تلك الأيام! لقد ابتعد خيالي وسافر حيث كان يجلس أبي مع أحد أقاربه أو أصدقائه يتسامران بعدما أنهيا -طوال اليوم- أعمالهما ورعايتهما لأولادهما وتتعالي قهقهاتهما… ما زال صدى أصواتهم باقيًا في أذنيَّ .. صوت أيديهم حينما تعلو ثم تتهاوي بسرعة على المنضدة بإحدى قطع الطاولة..ورغم الصوت المرتفع أثناء لعبهم لكنه كان صوتًا محببًا إلى النفس..

لم تكن الأنوار صاخبة كالتي تعج بها البيوت الآن.. لكن كان نورًا قويا ينير قلوبنا أنا وإخوتي ونحن نتبارى ركضا باللعب حولهم ضاحكين مهللين..
نحن نلعب وهم يلعبون… إننا نلعب غائصين في طفولتنا وهم يلعبون سارقين بعض السعادة تعينهم على هموم الحياة..

كانت أمي سعيدة وهي تعد القهوة لأبي وأقاربنا.. ولم تكن أبدًا في ضيق.. إنها تسعد بوجود أبي بالمنزل جوارها حتى لو كان البيت في بعض الليالي صورة لمقهى صغير، يجلس فيه أبي مع ابن خاله أو ابن عمه، الأهم لديها أن يكن سعيدًا..
كان لا يعني لهم الفوز أو الهزيمة.. كنا نراهم في كل الأحوال يضحكون، نقترب منهم ونقول لهم : من الفائز؟ فتتعالى ضحكاتهم، ولم أعلم حتى الآن من الذي كان يفوز.. إن سعادتهم أبدًا لم تكن تكمن في تحقيق أحدهم للفوز ولكن سعادتهم الحقيقية كانت في طريقهم للفوز بالسعادة…

إن اللونين الأبيض والأسود المطلي بهما تلك المنضدة للعبة الشطرنج ما هو إلا رمز يحمل في ثناياه تناقض تلك الحياة فالبياض والسواد هما ذاتهما السعادة والشقاء..وهما الفرح والحزن..

امرت تلك الأيام وكبرنا… ولكن ما زال بقلوبنا شئًا لم ينصرم بعد.. فبمجرد تحريك المنضدة.. تحركت كل الذكريات القابعة داخل نفوسنا..
سلامًا على أُناسٍ وأرواحٍ حملوا مسئولية تربيتنا والعمل والسعي من أجلنا ولم يتركوا لأنفسهم إلا سويعات قليلة بالحياة يضحكون ويتسامرون لتستمر الحياة ويستطيعوا منحنا مزيدًا من العطاء…

ليت الأيام دامت.. ليتها مرت ومرت.. ولم نمر نحن ووقفنا مستمرين نشاهدها وننظر للحياة من خلالها ونحن ضاحكين مهللين، وبكلا اللونين نحن في رضا، سواءًا الأبيض أو الأسود.

اقرأ أيضا للكاتبة:

أسماء خليل تكتب: لا تقتلوا في عيد الحب

أسماء خليل تكتب: قدماء مصريين سنة ٢٠٢٠

أسماء خليل تكتب: الكيانات الموازية والتقدم الحضاري

زر الذهاب إلى الأعلى