الأسد.. وخريطة القوى المتغيرة في الشرق الأوسط (تقرير خاص)

 

 

 

تقرير: أشرف التهامي

كان اندلاع ما يسمى بثورات الربيع العربي في أواخر عام 2010 وأوائل عام 2011 سبباً في وضع علاقات القوة بين دول الشرق الأوسط في حالة من التقلب والتغير المستمرين، وظهر على الساحة فائزون وخاسرون. ولكن لأن مواطن القوة ونقاط الضعف لدى أغلب الكيانات الفاعلة مشروطة أو متوقفة على عوامل أخرى إلى حد كبير، فإن موازين القوى الإقليمية كانت مائعة للغاية.

مصر

بالنظر إلى الوضع الذي كان عليه هذا التوازن ، فإن مصر كانت وستظل تضطلع بدورها ككيان من الكيانات الفاعلة الأعظم تأثيراً في المنطقة، حيث يؤثر نجاحها أو فشلها في إدارة عملية الانتقال السياسي والاقتصادي بشكل مباشر على الكيفية التي تتطور بها الأمور في دول عربية أخرى. ولكن مصر كانت مثقلة بهموم داخلية، بما في ذلك الاقتصاد المتراجع والوضع الأمني الذي استدعى استخدام المؤسسة العسكرية في أداء مهام الشرطة.
ولكن توسعت قوة مصر الناعمة مع قدرتها في إستعادة أمنها وأمانها باجتثاث تنظيم اخوان المسلمين الارهابي و للابد و استطاعت اتخاذ قرارات صعبة وصياغة وتشكيل الإجماع الداخلي.

والنجاح في إقامة جمهورية جديدة بتأسيس نموذج قد تسعى العديد من الدول المجاورة لمصر إلى محاكاته، ولو جزئياً على الأقل يقوده الرئيس عبد الفتاح السيسي.

تركيا

أما تركيا فكانت مثالاً للميكا فلية بأوضح صورها. حيث أن قوة تركيا استندت في الأساس إلى ربط اقتصادها باستخدام قوتها العسكرية التي توغلت وانتشرت على حساب دول الجوار ..العراق و سوريا التى نهبت الفصائل الارهابية المسلحة الموالية لتركيا مصانع سوريا وثرواتها.. فدعمت و أنشأت تنظيمات جهادية وإرهابية كأداة من أدوات القوة الغير مألوفة، كما تبين الآن أن نفوذها السياسي كان مبالغاً في تقديره، وخاصة في سوريا. ومن المؤكد أن تقاربها مع إسرائيل، والأهم من ذلك إقرار السلام الدائم مع سكانها الأكراد، برغم حربها مع أكراد العراق وسوريا التي استخدمتها ذريعة للتدخل و التوغل في سوريا والعراق و الذي من شأنه عزز من نفوذ تركيا الإقليمي.

إسرائيل

أما إسرائيل فكانت فائزة في المجمل، على الرغم من البيئة الاستراتيجية المتغيرة وافتقارها فعلياً للقوة الناعمة في المنطقة. فأثارت مخاوفها خسارة حليفها الرئيس المصري السابق حسني مبارك. و كانت تأمل سقوط عدوها الأكثر خطورة عليها، الرئيس السوري بشّار الأسد، فزادت مخاوف إسرائيل الآن بوجود أيران كعنصر مهم و أساسي في الحرب السورية على الارهاب حيث كانت إمكانات إسرائيل الاقتصادية وقدرتها على الردع أقوى من أي وقت قبل تدخل ايران إلا انها أصبحت الان في مواجهة ساخنة ومضطربة مع إيران حتى باتت الازمة السورية بالفعل مواجهة صريحة و ندية بين إيران و إسرائيل، فتبدلت اللاعبين الإقليميين من مصر و سوريا بحيث لا يستطيع أيا منهما أن يشكل تهديداً أمنياً حقيقياً لها في الأمد القريب…..
إلى إيران التي باتت هاجس إسرائيل الأوحد والأهم.

قطر

ومن ناحية أخرى، أثمرت لوقت ما الجهود الحثيثة التي بذلتها دولة قطر لتوسيع نفوذها على مدى العقود الماضية، في ظل قوة الجذب الكبيرة المتنامية التي اكتسبتها البلاد. فمنذ عام 2011، كانت قطر حريصة على تصعيد تورطها في شؤون جيرانها، فدعمت الثورة الليبية، والاخوان المسلمين بمصر، والمعارضة السورية الارهابية المسلحة.
ولكن بالغ القطريين في تقدير إمكاناتهم.
صحيح أن قطر لديها المال، ولكنها لا تملك أياً من عناصر القوة الصارمة الأخرى، كما كانت محل انتقاد بسبب تدخلها في سوريا ودعمها للإخوان المسلمين. ففشلت قطر في استخدام مواردها بحكمة، وفقدت الشرعية التي تحتاج إليها لتعزيز دورها كدولة راعية.

طالع المزيد:

ومن ناحية أخرى، سلطت الحرب ضد الارهاب في سوريا الضوء على ضياع ما كان لها من نفوذ كبير في المنطقة ذات يوم. بل إن سوريا أصبحت اليوم هدفاً لصراع جيوسياسي بين جهات فاعلة إقليمية أخرى. حيث أن الجهود التي بذلتها دول الخليج لتسليح المعارضة السورية الارهابية المسلحة لم تكفي لوضع الصراع على مساره المرجو لهم، وخاصة في ظل الأسلحة الثقيلة تحت تصرف الدولة السورية. كما عجزت المعارضة الارهابية المسلحة عن الاستيلاء لنفسها على ما خسرته الدولة السورية من سمعة ونفوذ نتيجة الصراع المحتدم في سوريا باسم حقوق الانسان.

إيران

أما إيران المجاورة فتبدو وكأنها الناجي الأساسي الأكثر أهمية. فقد نجحت في التكيف مع العقوبات الخانقة المتزايدة الشدة التي يفرضها عليها المجتمع الدولي، في حين حافظت على برنامجها النووي ولا تزال تشارك في العملية الدبلوماسية مع مجموعة الخمس + واحدة (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإضافة إلى ألمانيا). كما نجحت إيران في تعزيز نفوذها في العراق، وساعدت في الإبقاء على استقرار الدولة السورية سياسيا وعسكريا، حليفتها الأساسية، في المنطقة .
لكن ارتفاع حدة الاستقطاب السياسي في المنطقة لم يقوض موقف إيران. فمع تعريف الصراعات الإقليمية على نحو متزايد على طول خطوط سُنّية شيعية، فإيران ذات الأغلبية الشيعية المهيمنة الا انها لم تخسر النفوذ في الدول ذات الأغلبية السُنّية. ولم يعمل دعم إيران للدولة السورية على إلحاق الضرر بقوتها الناعمة التي كانت و مازالت كبيرة في دول عربية أخرى.

السعودية

وبوسعنا أن نحتسب المملكة العربية السعودية أيضاً بين الناجين، في ظل المحاولات التي بذلتها للتغلب على انعدام الأمن الاستراتيجي العميق النابع من الجهود الإيرانية الرامية إلى تقويض موقفها، والاضطرابات الاجتماعية التي كانت في جارتها وحليفتها البحرين، كما أصبحت المملكة العربية السعودية متشككة على نحو متزايد في حلفائها الأميركيين، الذين تعتمد عليهم البلاد في ضمان أمنها.
وفي الوقت نفسه، تواجه القيادة السعودية تحديات داخلية كبيرة، بما في ذلك التفاوت الاقتصادي الهائل بين الناس، وقصور الخدمات، والإحباط المتنامي إزاء الافتقار إلى الحرية السياسية، وعملية توريث الحكم الصعبة بين أفراد الأسرة المالكة. ولكن برغم تضاؤل القوة الناعمة التي تمتلكها المملكة العربية السعودية، فإن ثروتها الهائلة من النفط من المرجح أن تضمن لها البقاء كقوة إقليمية من الوزن الثقيل خاصة بعد فض النزاع السياسي بينها و بين إيران بالتطبيع معها.
وأيضا، لعبت كيانات فاعلة غير تابعة لدولة بعينها دوراً حاسماً في ميزان القوى في الشرق الأوسط. فقد أصبحت الأقليات الدينية أقل شعوراً بالأمان. واكتسب الأكراد الذين كانوا مقهورين ذات يوم المزيد من الأرض الآن. ومن بين الجماعات السياسية الانتقالية الرئيسية، كانت جماعة الإخوان المسلمين التي كانت الأشد وضوحاً في المنطقة قبل القضاء عليها نهائيا بمصر ولم يعد لها أي أثر بالمنطقة.

الأكراد

وعلاوة على ذلك فإن احتمالات تمكن كردستان العراق من إقامة دولة مستقلة بحكم الأمر الواقع أو بحكم القانون أصبحت الآن أعظم من أي وقت مضى. فهناك محاولات لأكراد العراق من تمديد نفوذهم إلى المناطق المأهولة بسكان أكراد في شمال سوريا، وهو ما من شأنه أن يحولهم إلى قوة إقليمية أكثر تأثيراً حتى من الحكومة العراقية في بغداد.
إلا أنه من المحال تمكن الاكراد الانفصاليون من الوصول لمبتغاهم بإقامة الدولة الكردية المزعومة لاتفاق الدول الاربعة المعنية بذلك. سوريا والعراق وايران وتركيا…رباعي سوتشي و استانة.

الواقع الأن بسوريا

بصرف النظر عن توازن القوى بين الدولة السورية والمعارضة الارهابية المسلحة، فإن سوريا خرجت من الصراع الحالي بمكاسب سياسية و عسكرية إلا أنه مازال الاقتصاد السوري في حالة عدم توازن بسبب العقوبات الغربية وسيطرة التحالف الامريكي على منطقة شرق الفرات بعمالة و خيانة قوات سوريا الديمقراطية – قسد الانفصالية حيث ان تلك المناطق تمثل أكثر من 65%من الاقتصاد السوري حيث النفط والقمح ومحاصيل استراتيجية هامة اخرى مثل الزيتون والفستق الحلبي و القطن .
وعلى كل الأحوال فإن سوريا في بداية الازمة كانت بالمعسكر الخاسر بقوة من وجهة نظر الغرب وإسرائيل والخليج.
أما الان… فبعد أن بسط الرئيس الأسد ومهد الطريق للصين لتكون ورقة سياسية رابحة و رائجة بالمحافل الدولية وند قوي للكاوبوي الامريكي.
وبعد أن مهد الرئيس الاسد لإيران الطريق لأن تكون على بعد مرمى حجر من الكيان الصهيوني ومنحها ورقة رابحة في ملفها النووي.
وبعد استفاقة الدب الروسي الذي كان نائما وحيدا بثلوج سيبيريا فافاقه الرئيس الأسد من سباته السياسي تاركا قيادة العالم للكاو بوي الامريكي.. وأتاح له فرصة التواجد لأول مرة في المياه الدافئة في البحر الابيض المتوسط حيث قاعدة حميميم التي لها دور أساسي و استراتيجي في الحرب الروسية الاوكرانية. ومنحه الاذن الشرعي للتواجد بسوريا فكانت الحرب السورية على الارهاب حقل تجارب لتطوير الصناعات العسكرية الروسية باعتراف وزير الدفاع الروسي و التواجد لأول مرة بالشرق الاوسط بالقرب من القواعد الامريكية بالخليج العربي.
فقد أثبت الرئيس الأسد أنه هو من يملك كل الاوراق السياسية في منطقة الشرق الأوسط .
فهو ليس لاعباً ولا متفرجا في لعبة شاركت فيها كل القوى المتنازعة بالشرق الاوسط !
و إنما هو من يتحكم بتلك اللعبة وهو من يملك قرار إسدال الستار لتلك المسرحية التى عبثت بأقدار الملايين من شعوب تلك المنطقة البائسة التي لعنت بما تملك من ثروات وتمتاز بموقع فريد بقلب العالم القديم وحجرأساس العالم الحديث…
فماهي الا مسألة وقت ولن تحتاج إلا لوقت فصير….

زر الذهاب إلى الأعلى