شريف عبد القادر يكتب: التجار الفجار وانفلات الأسعار

بيان

ما يحدث منذ فترة من انفلات فى الأسعار بسبب التجار الفجار يذكرنى بجار وصديق (رحمه الله واسكنه فسيح جناته) اختار العمل المهنى ولم يستمر فى التعليم .

كنا مجموعة من الأصدقاء نجلس على مقهى بمنطقتنا السكنية فى أوائل ثمانينيات القرن الماضى ونتحدث عن الأسلوب الاقتصادى الذى من المفترض أن تتبعة الدولة.

طالب البعض بتطبيق الاقتصاد الاشتراكى وآخرون قالوا :بل إسلامى وثالثون اقترحوا الأوروبى. فإذا بالجار الصديق يصيح قائلا: “صدعتونا من الرغى الكتير كل واحد فيكو عامل فيها خبير اقتصاد ، الصح الدولة ملهاش دعوة بحد ويسيبوا اللى يبيع يبيع واللى يشترى يشترى”.. فضحكنا من رأيه.
تذكرتة الآن واتضح أنه كان عنده بعد نظر ، الله يرحمه ويحسن إليه.

فما يحدث الأن بالسوق استنزاف للدولة والمواطنين من قبل بعض التجار وهم ليسوا قلة وهو ما يتعارض مع كل الأنظمة الاقتصادية. سواء كانت اقتصاد حر أو اشتراكى.

ومن العجائب أننا لا نضع ضوابط رادعة لمنظومة التجارة والأعمال المهنية تحفظ حق الدولة وحق التاجر والمستهلك برغم أن ذلك يسيرا ويطبق بسلاسة فى دول غربية منها إيطاليا التى تربطنا بها علاقات جيدة وتتعاون معنا فى مناحى كثيرة.

وفى أوائل تسعينيات القرن الماضى حينما زرت إيطاليا لأسابيع كنت أشاهد أسلوب متميز كان يشعرنى بغيرة حميدة وكنت أتمنى تطبيقه عندنا وكانت أول لقطة عندما استقليت تاكسى من مطار ملبنسا بميلانو ففوجئت بالعداد الذى وصل مصر بعد سنوات.

وعندما وصلت لمنزل صديقى أعطيت القيمة للسائق بالليرة الايطالية وعندما هممت بمغادرة التاكسى فإذا بالسائق يصيح بصوت عال قائلا: ” اسبته اسبته” ، فلم أعرف ماذا يقول فأشار بيده أن أنتظر.

ثم قام بكتابة الفاتورة وقال: “لفاتورة” ونحن ننطقها بالعربية فاتورة، وأخذت الفاتورة وغادرت.

وعندما سألت صديقى الذى كان يعيش فى إيطاليا (رحمه الله واسكنه فسيح جناته) عن الهلع الذى أصاب السائق عندما هممت بمغادرة التاكسى، قال لى:

“لو بنسبة واحد فى المية شاهدك أحد العاملين بشرطة المرور أو الضرائب وليس معك فاتورة عقب مغادرتك التاكسى سيدفع السائق غرامة تعادل 200 جنيها وأنت تدفع عشرة فى المية من قيمة غرامته ولو كانت الواقعة الثانية للسائق يمنع من ممارسة العمل بالتاكسى مدى الحياة”.

وتجد محلات بمختلف الأنشطة تقدم الفاتورة للمشترى دون تهديد بإضافة نسبة كضراءب مبيعات أو غيرة من المسميات.

ويتنكر مفتشو الضرائب (فى إيطاليا) ويراقبون حصول المشترين على الفاتورة عقب مغادرتهم المحل ووقعتة سوداء المحل الذى يخالف .

وهناك لا يقوم صاحب نشاط مخالف عند ضبطه بالاتصال برقم تليفون ثم يقول للمفتش خد كلم كما يحدث أحياناً عندنا.

وجريمة التهرب الضريبى هناك مخلة بالشرف وليس مفهوم الشرف نفسه كما هو الحال عندنا.

وأتذكر طالعت الصحف، وقرأت خبر إلقاء القبض على الممثلة العالمية صوفيا لورين على سلم الطائرة عقب وصولها مطار روما لتهربها من الضرائب.

وما علمتة مؤخراً فى إيطاليا هو إلزام كل أصحاب الأنشطة الانشطة بربط ماكينة الحساب الخاصة بها مع مصلحة الضرائب لتعلم بكل المبالغ الواردة للنشاط أولا بأول ويرسل صاحب النشاط نسخة للمحاسب الموكل منه.

وهناك المحاسب لو اكتشف مستندات غير صحيحة من موكلة لتقليص قيمة الضرائب يسارع بالابلاغ عنه ليعاقب بالقانون بخلاف مايحدث عندنا حيث يلهث البعض لمحاسب معروف عنه تقليص قيمة الضرائب وخاصة لو كان مأمور ضرائب سابقاً.

وفى إيطاليا لا يسمح لأى نشاط بالعمل قبل أن يتم إخطار الضرائب وتوصيل ماكينة الحساب معها وفى حالة المخالفة يتم غلقة ومحاكمة صاحبة. على خلاف ما يحدث عندنا حيث يتم ممارسة النشاط دون ترخيص أو سجل ولا عجب عندما نقرأ عن ضبط عيادة طبية خاصة يديرها منتحل شخصية طبيب لعدة سنوات .

ولا أعرف لماذا يتغاضى مجلس النواب عما يحدث بالسوق عندنا ولماذا لا تشّرع قوانين رادعة تصل عقوبتها للسجن والمصادرة لكل صاحب نشاط غير مستوفى التراخيص والسجل التجارى والضرائبى ولا توجد به فواتير رسمية بكل البضائع التى بحوزتة، وكذلك فى المخازن وأن كان أغلبها سرية فى شقق سكنية وجراجات ومحال.

كما يعاقب ذات القانون من يتعمد غلق أنشطته وقتيا لتعطيش السوق ورفع أسعار السلع التى عليها إقبال .

إن ما يحدث من التجار الفجار فى حاجة ملحة لتشريع قانون رادع لهم ولبعض شركات القطاع العام المتحالفة معهم.

اقرأ أيضا للكاتب:

شريف عبد القادر يكتب: نواب برلمان على الفرازة

شريف عبد القادر يكتب: أزمة أتعاب التربى لنقل الرفات من المقابر المزالة

زر الذهاب إلى الأعلى