طارق صلاح الدين يكتب: طوفان الأقصى إلى أين؟ (27)

بيان
بعد ساعات قليلة من مقالى السابق تلقيت اتصالات تليفونية عديدة تخبرنى بعدم دقة ماجاء بمقالى عن فشل المفاوضات بين إسرائيل وحماس ممثلة الفصائل الفلسطينية وذاك بعد موافقة حركة حماس على الورقة التى تقدم بها الوسطاء فى القاهرة فكان ردى بالتصميم على فشل المفاوضات، رغم موافقة حماس، وأن نتنياهو سيقوم بالالتفاف على هذه الموافقة ولن يقبل بها وبالتالى فالفشل مستمر.
وبالفعل حدث ماتوقعته حرفيا فقد تنصل نتنياهو من هذه الموافقة وذكر أن هذه الورقة لم تحقق ماتتطلع إليه إسرائيل، وذلك بالطبع منافى تماما للحقيقة لأن الموساد والشاباك كان حضورهما قويا فى جولات المفاوضات بالقاهرة بل وكان حضور وليم بارينز رئيس جهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية متواصلا فى مفاوضات القاهرة.
بالطبع كانت موافقة حماس على ورقة الوسطاء مفاجأة لكل الأطراف وفى مقدمتها أمريكا وإسرائيل وألقت حماس بعيدا بكل الإتهامات الموجهة إليها بإفشال المفاوضات، وجاءت موافقة حماس بعد ضمانة أمريكية تم تقديمها للوسطاء بتحقيق كل بنود الاتفاق.
وعلى الرغم من أن موافقة حماس حملت كل أنواع المخاطر حيث وضعت شرطها الأول وهو وقف شامل لإطلاق النار وانسحاب الجيش الإسرائيلى من قطاع غزة على المحك الأمريكى بضمان عدم اندلاع الحرب من جديد بعد انتهاء الهدنة التى تصل إلى مايقرب من أربعة أشهر.
وبالطبع كانت حماس تراهن على الزخم الإسرائيلي الذى سيطيح حتما بنتنياهو وحكومته المتطرفة ولن يقدم خليفة نتنياهو بالتأكيد على استئناف حرب هو ليس مسئولا عن اندلاعها.
ولابد أن نعترف بأن نتنياهو يجيد التحرك داخل المصيدة الضيقة جدا التى وقع فيها والتى تم إغلاق بابها عليه مرتين كانت الأولى منهما فى ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، وحاول نتنياهو جاهدا التنصل من مسئوليتها ولكنه قوبل بعاصفة انتقادات شديدة من المجتمع الإسرائيلى.
وكانت المرة الثانية فشله الرهيب فى تحقيق أهداف مستحيلة أعلنها مع إعلانه الحرب على غزة.
وبالتأكيد فإن نتنياهو ليس مستعدا بالمرة للتوقف عن محاولة الخروج من المصيدة وطريقه إلى ذلك إطالة أمد الحرب على أمل إتاحة فرصة تمكنه من الخروج.
وتوجه نتنياهو هذه المرة إلى محاولة الاستفادة من موافقة حماس بكل السبل الممكنة، فأعلن أن الضغط العسكرى هو الذى أجبر حماس على قبول ورقة القاهرة، وأن مزيدا من الضغط العسكرى سيدفعها لتقديم تنازل أكبر فكانت خطوته التالية فى التصعيد هى احتلال معبر رفح ورفع العلم الإسرائيلى عليه لتحقيق إنتصار معنوى يقنع الداخل الإسرائيلى أنه يتقدم على الأرض.
وينطلق نتنياهو بخطوات حثيثة نحو رفح ليقوم باجتياح محدود لشرق رفح بعد أسابيع من القصف المتواصل لرفح.
وبالطبع فإن نتنياهو حصل على الضوء الأخضر من الولايات المتحدة الأمريكية الشريكة الأساسية في حرب غزة لاجتياح رفح المحدود، مع اضطرار الرئيس الأمريكى بايدن إلى إحداث توازن برفض تزويد إسرائيل بالقنابل الضخمة الذكية وهى مناورة مكشوفة فضحها سريعا الموقف الأمريكى بإعلان إستخدام إسرائيل الأسلحة الأمريكية وفقا للقانون الدولي وإن كانت قدحدثت انتهاكات بشأن المدنيين ولكنها انتهاكات غير مقصودة وسببها حماس التى تحتمى بالمدنيين.

على الجانب الآخر كان على حماس ومن خلفها الفصائل الفلسطينية توضيح الأمور لنتنياهو وأن قبول ورقة الوسطاء ليس عن ضعف فقامت بتصعيد عملياتها بكمين مركب شرق رفح حصد ثلاثة جنود إسرائيل وعدد من الجرحى باستهداف مبنى يتحصن به جنود إسرائيل وجرافة ودبابة ميركافا بالإضافة إلى بث عمليات قنص لجنود إسرائيليين فى رفح اشتعل بأحدهم درعه الواقى وسقط وسط زملاءه الذين لاذوا بالفرار فى حى الزيتون جنوب غزة.
وقامت سرايا القدس بتفجير عبوتين ناسفتين في جنود إسرائيليين بحى الزيتون واستهداف تجمعات الجنود بقذائف الهاون.

وفى تطور نوعى قامت حماس بقصف بئر سبع برشقة صواريخ أعلنت إسرائيل أنها اسفرت عن إصابة مستوطن.
وهى دلالة عميقة على قدرة حماس بعد ثمانية أشهر من الحرب على استهداف المدن والبلدات الإسرائيلية.
لم تكن جبهات الإسناد والدعم لغزة بعيدة عن هذه التطورات فأعلن عبدالملك بدر الدين الحوثى إنتقال اليمن إلى المرحلة الخامسة والسادسة من التصعيد والمنع التام لعبور سفن إلى ميناء إيلات سواء إسرائيلية اوتحمل أية جنسية أخرى.
وعلى جبهة جنوب لبنان صعد حزب الله من قصفه الصاروخى بعشرات الصواريخ للمستوطنات الإسرائيلية بصواريخ الكاتيوشا وصواريخ بركان التى تحمل رأس متفجر يزن ٢٥٠ كيلو ثم استخدام بركان ٢ التى تحمل رأس متفجر يزن ٥٠٠ كيلو مما أحدث أضرار شاملة بمستوطنة كريات شمونة.
كما قام حزب الله بقصف مبنى فى مستوطنة المطلة يتحصن به جنود إسرائيليين وعملية نوعية في موقع راميا مرتين بالقذئف المدفعية والصواريخ وكذلك موقع جل العلام وكفر شوبا.
وعلق الخبراء العسكريين الإسرائيليين بأن رفح هى عش الدبابير الحقيقى لجيش الإحتلال الإسرائيلي وأنه ليس واردا على الإطلاق بعد الهجوم الثالث لحماس على الجيش الإسرائيلى فى حى الزيتون أن تتمكن إسرائيل من القضاء على حماس أو إستعادة الرهائن وأن كل أهداف الحرب قد تبخرت.
وتلقفت حماس الخيط سريعا وبثت فيديو لأحد الأسرى الإسرائيليين الذى حاول الإنتحار تحت وطأة الاكتئاب الشديد ولكن تمكن حراسه من إنقاذه من الإنتحار.
وعلى الصعيد الدولى صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالأغلبية على قرار يمنح فلسطين العضوية الدائمة للأمم المتحدة ورد المندوب الإسرائيلى على هذا القرار بتمزيق ميثاق الأمم المتحدة.
أما المندوب الأمريكى فأعلن أنه فى حالة تحويل هذه الموافقة إلى مجلس الأمن فإن الولايات المتحدة ستسخدم من جديد حق الفيتو لمنع مرور هذا القرار.
وعلى الصعيد الدولى تستمر الإحتجاجات والمظاهرات الطلابية في جامعات الولايات المتحدة الأمريكية ومختلف جامعات العالم وهو تطور خطير تجاه التصعيد ضد إسرائيل حيث أن هؤلاء الطلاب هم أبناء صفوة المجتمع الأمريكى من الذين يشكلون الرأى العام وهم صناع الرأى العام الأمريكى فى المستقبل وهو مادفع نتنياهو إلى وصف هذا التطور بالمرعب.
بالتأكيد إسرائيل عالقة في رمال غزة وفى البحر الأحمر وفى جنوب لبنان وفى الأمم المتحدة وفى جامعات العالم بل وفى الداخل الإسرائيلى بالتظاهرات الحاشدة لأهالى الأسرى وهى ضغوط رهيبة على نتنياهو وحكومته المتطرفة التى لاتجد إلا سبيل واحد وهو التصعيد الذى يقابله تصعيد أكبر فى غزة وفى جنوب لبنان.
ولايبدو أننا على مقربة من إتفاق لوقف إطلاق النار فى المستقبل القريب وإن كانت المفاوضات العبثية مستمرة على أمل أن يقبل بها نتنياهو في نهاية الأمر.

اقرأ المزيد:

طارق صلاح الدين يكتب: طوفان الأقصى إلى أين؟ (26)

طارق صلاح الدين يكتب: طوفان الأقصى إلى أين؟ (25)

طارق صلاح الدين يكتب: طوفان الأقصى إلى أين (24)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى